آخر تحديث:00:03(بيروت)
الثلاثاء 17/12/2019
share

قصة لبنان وإيطاليا.. المافيا والفساد والقضاء

أكرم حمدان | الثلاثاء 17/12/2019
شارك المقال :
قصة لبنان وإيطاليا.. المافيا والفساد والقضاء 52 قانوناً يتعلق بالفساد.. بلا مراسيم تطبيقية! (مجلس النواب)

ربما من المعروف أن إيطاليا هي أكثر البلدان التي كانت "مافيا الفساد السياسي" تتحكم بها، أقله حتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وتحديداً حتى تاريخ 17 شباط من العام 1992، عندما أوقف القاضي الإيطالي أنطونيو دي بييترو، عضو الحزب الاشتراكي الحاكم أنذاك ماريو كييزا، بتهمة "تلقي الرشوة".

تدحرج رؤوس إيطالية
بعد هذه الخطوة، قرر أعضاء الحزب الابتعاد والتخلي عن الموقوف تحت عنوان "خيانة المبادىء"، فرد كييزا بالانتقام من الجميع، وبدأ بكشف فضائح الرشوة وتشعباتها التي أوصلت إلى تهاوي وتدحرج كل الرؤوس المتورطة من الساسة والقضاة ورجال المال والاقتصاد والمافيا في إيطاليا.

تلك الحملة التي شهدتها إيطاليا مطلع التسعينيات، وأطلق عليها إسم "الأيادي النظيفة" (أو الأيادي البيضاء)، شملت التحقيق مع أكثر من خمسة آلاف شخص، من بينهم نصف أعضاء البرلمان وأكثر من أربعمئة مجلس بلدي، بغية معرفة كيفية خسارة إيطاليا أربعة مليارات دولار سنوياً، بسبب الرشوة في ثمانينيات القرن الماضي.

أدت تلك الحملة إلى تصفية المافيا القاضيين جيوفاني فالكوني وباولو بورسيلينو، بعد تعمقهما في التحقيقات في أيار وتموز من العام 1992. ووضعت الحملة حداً  لما عُرف بـ "الجمهورية الإيطالية الأولى" التي سادت بين عامي 1948 و1992، وباتت الحرب على المافيا والفساد السياسي أكثر جرأة.

وفي أيلول عام 2018 أقرت الحكومة الإيطالية مشروع قانون تعزيز ​مكافحة الفساد​ ، الذي يلحظ منع الشخص المدان بقضايا فساد من ممارسة وظيفة عامة. وهذا ما اعتبره وزير العدل الإيطالي حينها ايميليو بونافيدي "ثورة في مكافحة الفساد".
ويلحظ هذا القانون منع الشخص الذي يصدر بحقه حكم بالسجن يتجاوز عامين بتهمة فساد، من ممارسة أي وظيفة عامة طوال حياته، ومنح القانون حصانة لمن يتعاون مع القضاء​ لكشف المتواطئين وإعادة الأموال المختلسة سريعاً.

ماذا عن لبنان؟
أما في لبنان، فالجميع يتهم الجميع بالفساد والسرقة وهدر المال العام والتحايل على القانون وعدم تنفيذه. وقد ارتفعت وتيرة الاتهامات أكثر فأكثر بعد ثورة 17 تشرين التي أطلقها الشعب اللبناني تحت عنوان "شبه وحيد": محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين في السلطة الحاكمة واستعادة الأموال المنهوبة.  

وتحركات المتظاهرين المستمرة في الساحات والمناطق اللبنانية المختلفة، فرضت على السياسيين تعديل، ليس فقط الخطاب، وإنما الأولويات، وخصوصاً في ملف مكافحة الفساد، فباتت القوانين التي تُناقش في مجلس النواب في غالبيتها تصب في هذا الهدف، ومنها قانون السلطة القضائية المستقلة التي يتفق كل من يريد بناء دولة عادلة، على أنه الأساس. وإذا لم يكن القضاء بخير، لن يكون أي قطاع بخير. وتحرير القضاء من المحسوبيات السياسية، هو المدماك الأساسي لبناء دولة العدالة الاجتماعية، والانتقال بلبنان إلى مرحلة جديدة، قد لا تكون تُشبه الانتقال الإيطالي. ولكنها تلتقي معه في وضع حد للفساد والفاسدين والتجرؤ على فتح الملفات. ربما يكون ذلك صعباً جداً، إذا ما قورن بالتجربة الإيطالية، لأن أي قاضٍ نزيه يخشى على حياته أو على إقالته، أو ربما عزله. فلبنان ليس إيطاليا إلا إذا كانت منظومة الفساد اللبنانية قد تحولت إلى "مافيا".

قوانين بلا تنفيذ
في لبنان مجموعة من القوانين الصادرة عن مجلس النواب منذ العام 1999 وحتى العام 2019 تتعلق بمكافحة الفساد والإثراء غير المشروع وحماية كاشفي الفساد، وغيرها التي تحتاج فقط إلى مراسيم تطبيقية لتُنفذ (52 قانوناً)، وفقاً لما أعلنه رئيس مجلس النواب نبيه بري في لقاء الأربعاء النيابي في 4 كانون الأول 2019.

وفي لبنان ما لم يكن ممكناً، أصبح متاحاً. فهناك ناد للقضاة حديث العهد ويُراهن عليه وعلى نزاهة أعضائه. وهناك نقيب للمحامين أطلق عليه إسم "نقيب الثورة".

وفي أول لقاء وإجتماع عمل بين النقيب ونادي القضاة، تم الاتفاق على أن يكون إقرار قانون استقلالية القضاء أولى الأولويات في المرحلة المقبلة.

فلننتظر ونرى.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها