آخر تحديث:00:55(بيروت)
الثلاثاء 05/11/2019
share

إزاحة الحريرية عن قداستها

أحمد جابر | الثلاثاء 05/11/2019
شارك المقال :
إزاحة الحريرية عن قداستها الضعف الذي باتت عليه الحريرية اليوم، يجد أساسه في حريرية الأمس (ريشار سمور)

كثيرة هي مقدسات اللبنانيين الدينية، وكثيرة رمزيات ساستهم وزعمائهم الذين رفعهم الأشياع والأتباع إلى مرتبة القداسة. القداسة مطلوبة لذاتها كفعل دفاع وكأسلوب مواجهة في الوقت ذاته، والغلو في الصفات وفي ابتكار المواصفات واختراع "المعجزات" المنسوبة إلى القديسين الجدد، كل ذلك يتضافر ليشكل سياقا أهلياً ينتظم الأهل الفرادى في دائرة رباطه، ليكون ملاذاً لهم في حرب الافتراق المستعرة، وليكون متراس غلو في مواجهة الغلو الآخر، وليكون حلقة فتوى واجتهاد تصدر عنها ضرورات ومبررات مواجهة المقدس بالمقدس، ومن بيئة الحلقة ذاتها تطلع خريطة الطريق العملية التي تبين كيفية مبارزة المدنس للمدنس.. والحال، أن الدنس يكون دنس الآخر ليظل الذاتي مقدساً في قوله وفي فعله، والنتيجة، تدور حرب مقدسات بين المجموعات الموزعة جغرافيا فتصير الحروب "حروبا دينية"، ويكون الهدف الأخير هدفاً إقصائياً إن أمكن، أو إلغائياً إن توفرت القدرات، أو إلحاقيا واستتباعياً، وهذا "أبغض الحلال" عند الأهليات المتناحرة.

الحريرية الأهلية
مضى وقت طويل على غياب رفيق الحريري "المؤسس"، وحتى تاريخه لم توضع الظاهرة في دائرة ضوء النقد، وبديلاً من مراجعة الحريرية مراجعة شاملة تتضمن أصل الظاهرة كما كانت عليه في حياة مؤسسها، وتتضمن سيرة الحريرية الموروثة والوارثة ، أي الحريرية الثانية مع سعد الحريري الإبن، بديلاً من ذلك، جرى القفز من فوق الواقعة المادية، أي من فوق اعتبار الحريرية مادة درس ملموسة ومحسوسة، إلى جعلها مسألة "تابو" تؤمن القداسة لصاحبها الأول الذي قضى شهيداً، وتكفل انتقال الإرث برمزيته وقداسته إلى الحريري الثاني، من دون الحاجة إلى القول بانقطاع زمني بين الأب والإبن، ومن دون الشعور بضرورة تعيين فاصل وقف زمني ينبئ بأن زمناً ما انتهى وزمناً آخر بدأ، مما يزكي القول مجدداً، بأن السيرة تصير سيرة قداسة متصلة في أزمانها، ومتواصلة في رموزها، فلا يصيبها تحول ولا ينزل في رحابها تقادم.

سؤال الأصل
نقاش الحريرية انطلاقا من إسمها، ينطوي على مغزى الأصل، وعلى معنى البداية، فالإسم ليس محايداً في دنيا الفكر، وليس عشوائياً أو اعتباطياً في عالم السياسة، بل إن الإسم دليل مكثف على المسمى، وهو عنوان موجز لشروح نظرية وسياسية مسهبة، وهو دليل إلى الأهداف الأخيرة التي يفصح عنها "الأهل"، عندما يختارون إسم "وليدهم" الفكري والسياسي، بعناية ودراية. وعليه، ماذا كانت الحريرية بالأمس؟ وماذا كانت تعني أكثر من نسبتها إلى إسم الرئيس الراحل رفيق الحريري؟ وهل للنسبة هذه من معانٍ تشبه مثلاً مصطلح الناصرية، على صعيد مصري وطني، وعلى صعيد قومي عربي عام؟ وهل للحريرية أن تكون، في بيئتها الأهلية والمحلية اللبنانية، نظيرة للجنبلاطية التي مثلها الشهيد كمال جنبلاط في البيئتين: الخاصة أهلياً والعامة وطنياً؟ وهل من نقاط تقاطع وتشابه بين الإضافات السياسية والمعنوية، التي نجحت في جنيها كل من الجنبلاطية والحريرية، من السياق العربي، ومن المحيط الإقليمي، ومن المدى العالمي؟ وما هي نقاط التمايز الفعلية التي تعيد الحريرية إلى ظاهرة محلية ذات "نكهة" خاصة، بحيث يتعذر إطلاق صفة الخط السياسي أو إسم الظاهرة عليها، وبحيث يعاد إدراجها في بنية التعبير الأهلي المحلي الذي تميزه لهجة صاحبه، ولا يمكن تمييزه عن سائر الكلام اللبناني المعهود، أي الكلام المتداول في المعنى والمبنى، عند طرح مسألة " غنم وغرم" المكونات الطائفية والمذهبية.

خط الإسم
لن يكون افتعالاً القول إن ما سمي الحريرية هو خط الإسم وليس إسم الخط. الأول، أي خط الإسم يحيل إلى اللاخط، ويطل على الأداء السياسي للرئيس الراحل رفيق الحريري، أما الثاني، أي إسم الخط، فيفضي إلى قراءة نظرية محددة، وإلى برنامج سياسي معين، وإلى أهداف التأسيس فالوصول، إلى بنية سياسية وآليات إنتاج حكم جديدة.. وهذا كله مما لا يمكن نسبته إلى " الحريرية" في نسختيها، الأولى والثانية.

كثيرة هي الشواهد على أن الظاهرة كانت مقتصرة على سلوك صاحبها، وأن استمرارها اليوم يشهد لذات الخلاصة التي تجمع بين الذات والموضوع، هذا من دون الذهاب إلى الحديث عن تطابق بين أداء الأب وأداء الإبن، بسبب من اختلاف الظروف التكوينية للسلف والخلف، وبسبب من تضافر الظروف والوقائع والمعطيات. التي جعلت رفيق الحريري" رفيقاً"، والتي مازالت تبقي على سعد الحريري "سعداً"، إنما حتى تاريخه فقط، ذلك أن سيرة القهقرى باتت خطاً بيانياً لما كان وما زال "حريرياً"، ودائماً لأسباب لا تتعذر مقاربتها مقاربة موضوعية جادة، بحيث يمكن الوصول إلى خلاصات تعيد إدراج مسمى" الحريرية" ضمن سياقه الدنيوي الملموس، بعيداً من كل بلاغة المقاربات الما فوق واقعية.

مخالفة السائد
اكتسب أداء رفيق الحريري جزءاً من الترحيب به انطلاقاً من أدائه "المساعداتي" بدايةً، قد وفَّرت وجهة تقديم المنح التفافاً حول شخص " الرئيس" تجاوز حدود انتسابه المذهبي وانتمائه المناطقي، وتولى بعض من "النخبة" الهائمة بين الطوائف، والمتطلعة إلى دور من فوق أحكام إدارتها المقفلة، التنظير للظاهرة الجديدة، مما لم يكن موضع قبول وقناعة من الحريري الأب الذي ردد مراراً: لا نظرية عندي. كل نظريتي ما أقوم به من أعمال. هذا السلوك العملي كانت له ترجمات ضمن البيئة الخاصة للشهيد رفيق الحريري، وكانت له محاولات خروجه من إطار البيئة كذلك، في مسعى ملامسة مدى عام أوسع يوفر صفة وطنية غير طائفية أو مذهبية. أصاب "الأب" نجاحات كان لها أثمان على صعيد مسقط الرأس الأهلي لرفيق الحريري، وعلى صعيد البنية الأهلية العامة، وعلى صعيد التوازنات المحلية والعربية والإقليمية التي عاد لبنان ليكون ميداناً لتجاذباتها. لقد أقصت الظاهرة الحريرية "البيوت السياسية" الأصلية في بيئتها، وسلكت مثل قريناتها من الظاهرات الطائفية الأخرى مسلك الاختزال ضمن البيئة، ومسلك الاستقواء عليها من خارجها، ولم تكن محصلة انضمام الحريرية، كما عرفها غيرها، مخالفةً لأداء مجمل التشكيلة الحاكمة والمتحكمة، سواء في الشؤون المطلبية، أو في الشؤون السيادية العامة.

هذا بعض من كل، ولدى الحديث التشريحي للظاهرة سيجد من يشاء الكثير من المواضيع التي تدعو الجدية إلى إعادة إيقافها "على رجليها" الواقعيتين، بدل ديمومة وقوفها "على رأسها" غير الواقعي، سيكون ذلك في الاقتصاد وفي التصنيف الاجتماعي وفي التحديد الطبقي وفي مواضيع الاستقلالية الوطنية.

والآن..
لا يدعو أداء الحريري الإبن إلى المفاجأة، بل إن ما يقوم به يشكل استمراراً للنهج الداخلي الأول الذي بدأه الأب. الحديث من باب الكفاءة في الأداء جائز، لكنه لا يلخص أو ينفي الأبواب السياسية والاجتماعية الأخرى المحيطة بكل الأداء. وما يمكن قوله في هذا المجال، هو أن الضعف الذي باتت عليه الحريرية اليوم، يجد أساسه في حريرية الأمس، أما المدة الفاصلة بين استشهاد "المؤسس" وبين السابع من أيار عام 2008، فقد كانت فترة" سماح" عادت بعدها البنية اللبنانية لتجدد مناكفاتها، وبكل الأسلحة. (وللحديث صلة)


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها