آخر تحديث:02:16(بيروت)
الثلاثاء 19/11/2019
share

لماذا هي ثورة وليست "حراكاً"

يوسف بزي | الثلاثاء 19/11/2019
شارك المقال :
لماذا هي ثورة وليست "حراكاً" قطيعة كبيرة مع الأجيال السابقة الرابخة فوق السلطة (مصطفى جمال الدين)

يوم الأحد الماضي، وفيما الكاميرات التلفزيونية تنقل الهدوء والسكينة وغياب الناس عن الساحات، كان ناشطون يقتحمون بوابات مشروع سد بسري، رفضاً له، وغيرة على البيئة الطبيعية في المنطقة. ويوم الإثنين، نظم الناشطون في طرابلس اعتصاماً ضد جبل النفايات، وفضحاً لكل ملف المكبّات والمطامر والأضرار البيئية والصحية والفساد الملازم لها. هذا وكان ناشطو زغرتا يضمرون انضمامهم لثورة 17 تشرين الأول بتظاهرات واعتصامات احتجاجاً على فضائح النفايات وتلوث البيئة. ولا ننسى بالطبع الصراع المرير الذي يخوضه أهالي عين دارة مع مشروع صناعي مدمر لجبالهم وغاباتهم.


في هذا الوقت كان الحدث المدني المؤثر في انتخابات نقابة المحامين، الذي يمكن مجاورته مع نتيجة انتخابات نقابة المهندسين قبل عام تقريباً، ينبهنا أيضاً إلى حراك جدي في قطاعات مهنية ونقابية بدأت تبلور أطر تنظيمها إما لتحرير النقابات التي تسيطر عليها السلطة أو لبناء نقابات جديدة.


وعلى هذا النحو أيضاً يمكن إدراج نضال أساتذة الجامعة اللبنانية (المتفرغين والمتعاقدين)، الذي تصاعد منذ عام تقريباً، وتمظهر بقوة مع انتفاضة 17 تشرين الأول. ويضاف إليه، خروج أساتذة الجامعات الخاصة تضامناً ومشاركة في كل الحركة الاحتجاجية.


إلى جانب هذا، وما بين اندفاع كتلة نسائية معتبرة للاحتجاج على المحاكم الدينية ودوائرها، وانخراط كل تيارات النسوية في نشاط الاعتصام والتظاهر والتعبير، تتوضح قوة اجتماعية لها أجندة ثورية تطمح إلى تغيير جذري في الاجتماع اللبناني وقيمه.


وفي مفاجأة كبرى، كانت الانتفاضة الطلابية من الصفوف الابتدائية إلى المقاعد الجامعية حدثاً أظهر "القطيعة" الكبيرة مع الأجيال السابقة الرابخة فوق السلطة وفوق المجتمع والسياسة والمؤسسات والفضاء العام.


ومن ناحية أخرى لا تقل أهمية وجذرية، أظهرت يوميات الشوارع والساحات فنوناً تعبيرية وأساليب لغوية وأنماطاً في الكتابة والقول والتداول والإعلام الجماهيري، ما جعل الشبكة المسيطرة في هذه الحقول معطوبة وعاجزة عن الاستجابة، إن لم نقل أنها فاسدة وميتة.


وفوق هذا كله، فرضت ثورة 17 تشرين على خصومها قبل جمهورها، ما يمكن تسميته "الصواب السياسي" (politically correct)، أي رفع المطالب الأساسية إلى سوية العناوين المسلم بها، كمثل "استقلالية القضاء"، أو "محاربة الفساد" أو "استعادة الأموال المنهوبة"، بالإضافة إلى العناوين الأشد حساسية وأهمية: سن الاقتراع، قانون انتخابي عصري، الدولة المدنية المرادفة لإلغاء الطائفية السياسية.


وعلى مستوى أكثر تفصيلاً وتدقيقاً في المطالب، إن في ما يخص مثلاً ضمان الشيخوخة أو إصلاح الهيكل الإداري للمؤسسات العامة، أو البحث عن مصير المفقودين في الحرب، أو استرداد الأملاك البحرية والنهرية العامة،  أو حتى المطلب السوريالي "نريد بحراً في بعلبك".. كل هذا يشير إلى حقيقة واحدة، يتعامى النظام السياسي اللبناني عنها. هذا أيها الأغبياء ليس "حراكاً". إنه ثورة شاملة.


أي ظن أن ما يحدث متوقف على حشد تظاهرة أو على عديد الجمهور في هذه الساحة أو تلك، من دون النظر إلى شساعة وتشعب وجذرية ما يطلبه اللبنانيون، هو إما طالع من السذاجة "العونية" المعروفة أو من خبث "الممانعة" الكارهة للحقيقة إلى حد الجريمة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها