آخر تحديث:00:26(بيروت)
الثلاثاء 19/11/2019
share

الأزمة اللبنانية تدخل حقبة "التدويل": الانتفاضة بخطر

منير الربيع | الثلاثاء 19/11/2019
شارك المقال :
الأزمة اللبنانية تدخل حقبة "التدويل": الانتفاضة بخطر حسابات الدول تتعارض مع حسابات الشارع ومطالب الناس (مصطفى جمال الدين)

تسعى القوى السياسية إلى ربط الأزمة اللبنانية بالملفات الإقليمية والدولية. وكل محاولات إجهاض الانتفاضة تقوم حالياً على مبدأ إعادة تجديد الانقسام السياسي في البلاد، وفق الاستقطاب التقليدي بين محورين إقليميين دوليين. وربما بسبب هذه العودة تفجرّت حرب البيانات بين القوى المختلفة، تحديداً بين التيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل. إذ وصلت الأمور بينهما إلى خروج الخلاف إلى العلن، وتبادل الاتهامات بنقض الاتفاقات.

الفرنسيون والبريطانيون والأميركيون
بناء عليه، أصبحت القوى، على اختلافها، تعتبر أن ما يجري سياسياً هو انعكاس لما يحصل خارجياً.

الملف اللبناني يحضر على الطاولة الفرنسية، بحضور مسؤول دائرة الشرق الأوسط في الخارجية الأميركية ديفيد شينكر ونظيره البريطاني، اللذين سيعقدان لقاءً مع الموفد الفرنسي كريستوف فارنو، للاطلاع منه على نتائج زيارته إلى لبنان الأسبوع الفائت. ومن الواضح حتى الآن أن حسابات الدول تتعارض مع حسابات الشارع ومطالب الناس. فما يهمها أولاً هو الاستقرار. وعلى كل حال، أي تدخل دولي في مسار التحولات اللبنانية سيضر بالانتفاضة، وسيدفع باتجاه إعادة تجديد التسوية بين القوى السياسية، ولو ببعض التغييرات الطفيفة، على مثال توزير بعض التكنوقراط أو المستقلين.

حرب البيانات
وحسب ما تشير مصادر متابعة، فإن الرئيس سعد الحريري أصر في بيانه الهجومي على التيار الوطني الحرّ إبراز اسم السفير نواف سلام، لرئاسة الحكومة. فرغم تداول أكثر من اسم خلال المفاوضات، إلا التركيز على اسم سلام إشارة للخارج أنه سعى إلى حكومة تكنوقراط. وهذا الأمر رآه خصوم الحريري بمثابة تقديم أوراق اعتماد للأميركيين، الذين يريدون فرض خيار التكنوقراط. وهم يفضلون نواف سلام رئيساً للحكومة. كما أنهم يطالبون بوزراء آخرين. ولذا، يعتقد خصوم الحريري أنه بات على النغمة ذاتها مع الأميركيين.

ولهذا السبب أيضاً، عندما أصدر التيار الوطني الحرّ بيانه مهاجماً الحريري، ركز على أن رئيس الحكومة يفاوض من مبدأ "أنا ولا أحد غيري". وتعمّد التيار هذه العبارة لمخاطبة الخارج أيضاً، قائلاً أن الحريري لا يريد أحداً غيره لتولي رئاسة الحكومة. وكل ما يفعله يهدف إلى إحراق أي مرشح، تماماً كما فعل مع الصفدي. وهو الآن يفعل الأمر ذاته مع نواف سلام، لا سيما أن سلام يُعتبر في ميزان حزب الله محسوباً على الأميركيين، وبالتالي لن يمرّ.

الضرب تحت الحزام
يوحي هذا المسار أن ما يجري بين القوى السياسية أشبه بالضرب تحت الحزام. خصوصاً، أن العونيين الذين قالوا في بيانهم إن الحريري استقال لأسباب مجهولة، يوحون أنه ينصاع للرغبات الخارجية، وتحديداً الأميركية والسعودية، لتغيير التركيبة السياسية. ويذهبون أكثر من ذلك، فيتهمون الحريري أنه يشاور الأميركيين والسعوديين فيما يمكن أن يفعله، وكان جوابهم له بضرورة تصحيح الاختلال في موازين القوى الناجم عن التسوية الرئاسية. ويعتقد العونيون أن هذا ما دفعه إلى شن هجوم علني على الوطني الحرّ، للإيحاء بأنه يعمل على استعادة التوازن عبر فرض شروطه لتشكيل الحكومة.

الرد على الحريري، حسب التيار الوطني الحر، جاء أيضاً بأسلوب الضرب تحت الحزام، عبر طلب رئيس الجمهورية "التحقيق بملفات فساد"، معظمها تمس بمحسوبين على الحريري. هذا الإجراء القصد منه ليّ ذراع الحريري وتخويفه لإعادته إلى بيت الطاعة، خصوصاً أن لعبة استخدام القضاء المسيّس لا تزال فعّالة.

حظوظ الحريري
وفيما يستمر الوضع بتعقيداته الكبيرة، يجري التداول في العديد من الاحتمالات، منها بقاء الوضع على حاله وسط الانهيار المستمر. ومنها التعويل على أن حزب الله قابل لتقديم تنازلات محددة وأن يحظى فقط بوزيرين على مثال وزير الصحة جميل جبق. لكن لا تنازلات كبيرة في الصيغة السياسية للسلطة. وتشير بعض المعطيات إلى أن حظوظ الحريري لا تزال مرتفعة، وهي ستحظى بغطاء دولي، بشرط أن تكون حكومة تكنوقراط. وهذا ما يدفع الحريري إلى عدم التراجع.

وتكشف معلومات عن اتصالات بين الفرنسيين والروس للبحث عن تسوية تبقي الحريري وتضمن تمثيل كل القوى في الحكومة. لكن بوزراء غير مستفزين، أي ستكون تكنوسياسية، أو وزراء تكنوقراط يختارهم السياسيون. وتحرص بعض الدول على حفظ الموقع السني، طالما أن رئيس الجمهورية يمثل إرادة مسيحية ورئيس مجلس النواب كذلك شيعياً، فلا يجوز إضعاف الموقع السني. لذلك يتمسكون بالحريري، أو بمن يختاره ويكون له حيثيته السياسية والشعبية، كتمام سلام أو نجيب ميقاتي.

ورقتان لحزب الله
الأزمة مستمرة، وحزب الله سيترك الأمور على حالها حالياً، مع تحمل الحريري لمسؤولية تصريف الأعمال. وإذا تمكن الحزب من انتزاع تنازلات من الحريري، يمكن عندها تشكيل الحكومة. وفي حال طالت الأزمة، فإن الحزب سيستمر على شروطه، وقد يعمل في مرحلة لاحقة على استفزاز الحريري أكثر، بإبقائه رئيساً لتصريف الأعمال مقابل تكليف شخص آخر (تكنوقراط) بتشكيل الحكومة من دون القدرة على تشكيلها. فيصبح هناك رئيسان. هذه ورقة سيحتفظ بها الحزب. ولن يلعبها إلا عندما تقتضي الحاجة. بل ولدى الحزب خيار آخر هو تسمية الحريري وتكليفه من دون اتفاق معه، فيبقى رئيساً لحكومة تصريف الأعمال ورئيساً مكلفاً عالقاً أمام مسؤولياته، إلى أن يرضخ لمفاوضات مرسومة النتائج سلفاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها