آخر تحديث:00:19(بيروت)
الأحد 10/11/2019
share

حزب الله يفاوض هشام حداد.. والناشطون يرفضون حكومة "محروقة"

وليد حسين | الأحد 10/11/2019
شارك المقال :
حزب الله يفاوض هشام حداد.. والناشطون يرفضون حكومة "محروقة" السلطة تحاول تعويم نفسها بتطعيم حكومتها "الجديدة" ببعض المستقلين (المدن)
ليس هناك أسوأ من أداء قوى السلطة في التعامل مع الأزمة الحالية التي يعيشها لبنان، ومحاولات التهويل بالانهيار لثني الناس عن المطالبة بحقوقهم وإخراجهم من الشارع، إلا المفاوضات الفاشلة لترغيب "المستوزرين"، والفبركات التي بدأت تطل علينا تحت اسم "استطلاعات رأي" لإثبات أن معظم اللبنانيين يؤيدون التحركات المطلبية في الشارع. كما لو أن اللبنانيين الذين خرجوا بالملايين إلى الشوارع غير مرئيين، ويحتاجون لمن يستطلع آرائهم للوقوف عند البؤس الذي يعيشونه منذ سنوات، جراء السياسات الاقتصادية والمالية التي أوصلت البلد إلى الانهيار الحالي.

مفاوضات سرية
خبث القوى السياسية، التي تصرّ على البقاء في السلطة متحكمة بمفاصل الدولة، يتمثل في المحاولات الحثيثة لتعويم نفسها عبر هندسة حكومة جديدة مناسبة لها وتطعيمها ببعض المستقلين. إذ تعمل دوائر القصر الجمهوري والرئيس المستقيل سعد الحريري وحزب الله، كل على حدة، ومنذ فترة، على التواصل مع المجموعات والناشطين لتقديم شخصيات مستقلة للتوزير. 

ووفق معلومات "المدن" حاول حزب الله ترتيب مفاوضات عبر الإعلامي هشام حداد، الذي شكل وفداً من خمسة أشخاص، التقوا مسؤولاً رفيع المستوى في الحزب، لطرح بعض الشخصيات للتوزير.
من ناحية الحريري، فقد علمت "المدن" أن النائب السابق عقاب صقر يتواصل مع بعض الناشطات البارزات، لتقديم أسماء للتوزير. فيما يفاوض طاقم قصر بعبدا وجوهاً مدنية مستقلة برزت أثناء الانتخابات النيابية الأخيرة.   

هذه المفاوضات والمشاورات التي تقوم بها القوى السياسية، لاقت رفضاً من أكثر من شخص تلقوا مثل هذه العروض. فقد شعروا بأن ثمة خبثاً بتوريط "ممثلين" مفترضين للانتفاضة في حكومة مؤقتة، تكون بفشلها كبش فداء الانهيار الحالي، والذي سيستفحل لاحقاً. وقد أكد أكثر من شخص معني، وهم وجوه بارزة منذ انتخابات بلدية بيروت، محاولات الزج باسمهم. ورفضوا حتى النقاش في فكرة المشاركة في أي حكومة، حتى لو كان جميع أعضائها من المستقلين الحقيقيين. والسبب أن أي حكومة ستتألف الآن ستواجه الانهيار كما ستواجه إدارات عصية عليها موالية لأحزاب السلطة ولمنظومة الفساد، وستجعل الثورة الشعبية وكأنها هي من جلب الكارثة إلى البلد، وأنها هي من يتحمل مسؤولية الخراب. والمشاركة في حكومة مستقلة من دون تغيير المجلس النيابي والذهنية السياسية المسيطرة هو انتحار سياسي. وهذا ينمّ عن أن مشكلة المتظاهرين لم تعد في تشكيل حكومة من هنا أو المضي بتشريعات من هناك. بل يريدون تغييراً شاملاً قائماً على تشكيل مجلس نواب جديد، تنبثق عنه حكومة حقيقية وسلطة نابعة من إدارة الناس، تستطيع التعامل مع الأزمة الحالية بشكل جدي. أما بقاء القوى السياسية الحالية في السلطة فلا يفضي إلا إلى ترقيع من هنا وهناك، وهذا بات وراء انتفاضة اللبنانيين التأسيسية للدولة.

حزب الله وقراءة "الشارع"
أما تسريبات حزب الله لاستطلاعات الرأي تنمّ عن ضحالة أفكار الواقفين خلفها. فوفق التسريبات أجرى حزب الله استطلاعاً للرأي وتبين له أن 76 في المئة من اللبنانيين يؤيدون الحراك الشعبي. تسريب هدفه التهويل على بقية أطراف السلطة بإمكانية نزول حزب الله إلى الشارع لملاقاة ما يطمح إليه اللبنانيون. أي أنه تهديد مبطن ينمّ عن أن حزب الله لم يقرأ ما يحدث في الشارع ولم ينظر بجد إلى أزمة الثقة العميقة التي يعيشها اللبنانيون مع دولتهم، والتي تمثّلت حديثاً في قلق الناس على ودائعهم ورواتبهم بعد الإجراءات التي اتخذتها المصارف لمنع انكشاف فراغ خزائنها من السيولة. 

هي ثقة يصعب ترميمها بحكومة تكنوقراط أو مستقلين، لأنها تطال طبيعة النظام الاقتصادي واللبناني عموماً. فلم يعد هناك من مواطن واحد لا يبدي قلقه من إجراءات المصارف، التي راحت ترفض الشيكات أو تزيد من تقنين السحوبات بالعملة المحلية، فكيف بالدولار؟

المرحلة الانتقالية صعبة. هذا ما تبيّن من أحاديث المواطنين والخبراء في الجلسات الحوارية التي تعقد في خيم المجموعات في ساحتي رياض الصلح والشهداء. وما هو مؤكد أن الانهيار حاصل، ومحاولات إصلاح الوضع المطروحة في الدوائر الدولية، لتعويم أي حكومة جديدة، كلها سيئة، وفق الخبير الاقتصادي كمال حمدان، الذي ردّ على استفسارات المواطنين في جلسة حوارية نظمتها "بيروت مدينتي". الحلول تتراوح بين تخفيض قيمة الليرة، أو الاقتطاع من ودائع المودعين وفق شطور معينة، لسد العجز، أو الذهاب إلى حل وسطين بين الاثنين يتمثل في الدمج بين الخيارين.

الانهيار قائم
لبنان يعيش في الانهيار، ولا داعي للتهويل فيه كما قال حمدان. وهذا يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة بجعل تصحيح الرواتب قائم بشكل آلي ومن دون تلكؤ أو مماطلة. فارتفاع سعر صرف الدولار ينعكس على القدرة الشرائية، كما ظهر في ارتفاع أسعار السلع مؤخراً، هذا فضلاً عن تآكل رواتب نهاية الخدمة لجميع اللبنانيين.

وإذا كان هذا الإجراء ملحاً لدى أي حكومة مقبلة، إلا أن حمدان أشار إلى أن منع الانهيار بشكل جدي، يكمن في تصاعد وتيرة الانتفاضة وخروج جميع اللبنانيين للضغط من أجل إقرار قانون انتخابي غير طائفي، يعتمد التمثيل النسبي على أساس لبنان دائرة واحدة، كي يعيد الشعب اللبناني بناء السلطة التي ستحكمه. فبغير حكومة من هذا النوع، كل الحلول البديلة ستكون ترقيعية. ولن يخرج لبنان من الأزمة إلا بسلطة جديدة وسياسات اقتصادية ومالية مختلفة عن تلك التي اعتمدت طوال السنوات الثلاثين الفائتة.

نحو قانون انتخابي جديد 
أما شكل القانون الانتخابي الأفضل لحسن تمثيل اللبنانيين فقد تناولته جلسة حوارية لـ"ملتقى التأثير المدني" دعت إليها الأمينة العامة للجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات، يارا نصار. ووفق نصار فإن القانون الانتخابي الحالي لا يؤمن عدالة التمثيل، ولا يحد من المال الانتخابي ولا يساوي بين جميع اللبنانيين، أي لا يؤمن الأسس البسيطة لانتخابات ديموقراطية. فمن ناحية عدالة التمثيل، أقصى القانون الحالي مجموعات سياسية كثيرة لأنه اعتمد عتبة حسم مرتفعة جداً، ولم تكن موحّدة في كل الدوائر. ولم يساوِ بين المواطنين، بسبب التفاوت الهائل في قيمة الصوت بين الدوائر الانتخابية، في بعضها يحتاج المرشح لعشرات آلاف الأصوات للفوز بمقعد، بينما في بعضها الآخر لبضعة مئات من الأصوات. هذا فضلاً عن الانفاق الانتخابي المرتفع، الذي يشرع للرشوة الانتخابية، ولا يؤمن مبدأ المساواة بين المرشحين.

ولعل السؤال الأبرز الذي طرحته الجلسة ماذا يريد اللبنانيون من قانون الانتخابات؟ وهل يريدون تأمين الانتقال إلى تأسيس سلطة تحاكي حراك الشارع؟ وماذا عن هواجس ومخاوف البعض من تسلط وسيطرة قوى سياسية وطائفية على بقية المكونات اللبنانية؟ وهل وجود سلاح حزب الله يؤمن عدالة التمثيل، من دون ترك تأثير على الناخبين الشيعة وبقية المواطنين؟

قانون مدني للاحوال الشخصية
فتحت هذه الأسئلة التي طرحها المواطنون الباب على النظام الطائفي، الذي يمدّ القوى السياسية بالسلطة والموارد لإعادة انتاج سيطرتها وتحكمها بالمجتمع اللبناني، خصوصاً أنه يفتح الباب على الزبائنية السياسية، عبر شراء الولاء للأحزاب الطائفية، ويكرس تقسيم اللبنانيين إلى فئات متصارعة أو متحالفة، حسب الظروف التي تناسب الزعامات السياسية والطائفية. وهذا يستدعي إقرار قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية.

لكن الاستفسارات والمداخلات حملت في طياتها الحلول المناسبة لمرحلة ما بعد انتفاضة 17 تشرين الأول. وهي مستمدة من الدستور اللبناني لمرحلة ما بعد اتفاق الطائف. فتأسيس مجلس الشيوخ، من شأنه الحد من مخاوف وهواجس غلبة طائفة على أخرى. والذي يفتح بدوره الباب على تأسيس مجلس نواب خارج القيد الطائفي، عبر قانون انتخابي يفتح المجال لتشكيل تحالفات سياسية وطنية قائمة على المشروع السياسي، وليس على التحريض الطائفي وشد عصب الناخبين طائفياً. فمرحلة ما بعد الثورة غير ما قبلها. ومقاربة أي قانون انتخابي يجب أن تستند إلى آلية تفكير اللبنانيين التي ظهرت في جميع الساحات المنتفضة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها