آخر تحديث:00:01(بيروت)
الأحد 06/10/2019
share

في ميدان الوطنية العراقية

أحمد جابر | الأحد 06/10/2019
شارك المقال :
في ميدان الوطنية العراقية "الهبّة الشعبية" الحالية تمرين مهم ودامٍ لاستعادة الوطنية العراقية (Getty)

ما تشهده الشوارع العراقية في أكثر من مدينة، ظاهره الفقر والإفقار والفساد وعدم أهلية التحالف المتحكم بحياة العراقيين. أما باطنه، أو محرِّكه الجوهري الأساسي، فهو الشعور بالكرامة الوطنية، وهو الرفض لامتهان سيادة العراق، وشجب تمزيق نسيجه الاجتماعي، بالمذهبة الشعارية الوافدة، وباستنبات أدوات سياسية مذهبية مرتبطة بالشعارية الخارجية. شعور الكرامة الذي تؤطره الوطنية العراقية، وتظلله القومية العربية كرابطة بين أبنائه، يجعل "الهبّة الشعبية" الحالية تمريناً مهماً ودامياً، في مسار سلسلة التمارين المطلوبة من أجل خوض معركة استعادة الوطنية العراقية، التي أمعنت قوى التدخل الخارجي في تمزيقها.

تذكار استرجاعي:
لقد وُضع قطار الوطنية العراقية على خط سير فقدان العراق ككيان ممسوك بشدّة، ومتماسك بعوامل مختلفة، منذ الحرب التي اندلعت بين العراق وإيران. وإذ لا نعرض هنا للأسباب التي تدين هذا الفريق أو ذاك، فإن الخلاصة الراهنة تزكيها المسارات التي انطلقت بعد وقف إطلاق النار بين المتحاربين، وتؤكدها كل السياسات التي عادت فأطاحت بالجمهورية العراقية عام 2003، حين دخلت القوات الأميركية مع حلفائها، إلى العاصمة بغداد. كل الإجراءات التي اتخذها المندوب السامي الأميركي بريمر صبّت في طاحونة تفتيت الإرادة الوطنية العراقية الواحدة، وحلُّ الجيش العراقي في ذلك الوقت، كان بمثابة إزالة المظلة الواقية التي كانت تحمي مجمل مصير الوطنية العراقية، بعد سنوات من مسيرة تكونها، وبعد تجارب غنية وحارّة منذ الاستقلال عن الوصاية البريطانية. المجال مفتوح لنقاش أداء حكم حزب البعث، خصوصاً في مرحلة حكم الرئيس الراحل صدام حسين، هذا مجال قائم في ذاته، لكن هذا النقاش، وفي ضوء ما آل إليه وضع العراق، لا يمكن أن يشكل مبرراً لحقيقة السياسة الأميركية ومن حالفها. هذه السياسة التي كان هدفها الإطاحة بالموقع الاستراتيجي العربي للعراق، بذريعة تجاوزات حاكمه ضد جيرانه، وبكذبة ادعاء امتلاك النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل. لقد جاء الدمار الشامل هذا إلى الداخل العراقي عندما أفسح الأميركيون في المجال لعدو العراق بالأمس، أي النظام الإيراني، فمكنوا له من بوابة التحالف معه في مناطق أخرى من الإقليم، وتركوا له مربعات سياسية عدة ليحتلها بحضوره وبالأيديولوجيا المذهبية، وبالشعارية الإسلامية، من بوابة التحالف ضد الإرهاب، الذي ما زال "مجهول" النشأة ومصادر الدعم ومظلات الرعاية؟!

سياسة الخصومة الإيرانية:
ينبغي التمييز دائماً بين إيران الوطن وإيران النظام، فالبلد لا يُختصر ليصير نظاماً، ولا يُلغى تاريخ إيران الممتد في التاريخ ليقتصر على فترة من فترات هذا التاريخ. هذا التمييز يجعل القول بالخصومة مع إيران حالياً ممكناً، طالما أن الأمر موجه إلى سياسات نظامها، والتمييز ذاته يستبعد القول بالعداء لإيران، ذلك أن الخصومة تظل على ارتباط بتاريخ زمني يطول أو يقصر حسب عمر السياسات، لكن العداء تكون أسبابه بنيوية بحيث لا يلغي بناء السياسات المتغيرة أصل العداء المستحكم. أساس القول في مجال التمييز، أن الخصومة تؤشر إلى صراع مصالح وأداء أنظمة طافرة، مثلما كانت الحال مع سياسة "البعث" ضد دولة الكويت، ومثلما هي الحال الآن مع سياسة النظام الإيراني في العراق، أما العداء فمثلُهُ في "عالمنا العربي" واقعُ الصراع مع العدو الصهيوني الذي ألغى وجود فلسطين. خلاصة القول، من الطبيعي أن يستعيد "العالم العربي" علاقته الطبيعية مع إيران عندما تتخلص من جموح نظامها، ومن الطبيعي أن تظل العداوة مستحكمة مع الصهيونية التي ما زالت ممعنة في إزالة فلسطين وهوية شعبها.

مسؤولية مضاعفة:
التمييز الذي لم تبادر دولة عربية إلى إلغائه، لم يدفع النظام الإيراني حتى الآن إلى مراجعة سياساته، بل إن صوت التطرف الأعلى ما زال يخرج من حناجر قادة الحرس الثوري، أولئك الذين يعلنون انتصارهم في أكثر من عاصمة عربية، ويشرحون خرائط امتداد نفوذهم، ودائماً من دون طرح السؤال حول أثمان هذا النفوذ الذي تدفعه البلدان التي وصل إليها واستحكم فيها، وهي أثمان باهظة يعرفها كل بلد عربي على حدة، ويشير إلى الخسائر بالاسم وبالظاهرة وبالممارسة، خاصة في ميادين السيادة والاجتماع والسياسة والوحدة الوطنية.

مسؤولية النظام الإيراني مضاعفة في هذا المجال، فهو مطالب بأن يعرف معنى التمييز العربي المعتمد حياله، فيقابله بما يناسبه من مراجعة سياسية، ويبادر في مجاله إلى ما يتوافق معه من ممارسة عملية. في هذا السياق على النظام الإيراني أن يطرح ما يريده من العراق الملتهب اليوم، وما هي المصالح التي تقتضي تفريخ كل هذه الفصائل المحتشدة ضمن "الحشد الشعبي"، وكيف يُفهم التحالف مع تشكيلة الفساد المستشري الذي أفقر العراقيين ولم "يؤلِّف بين قلوبهم"؟ نقاش المصالح يفضي إلى القول، إن طموح النظام الإيراني إلى احتلال الموقع الأول في تراتبية النفوذ في الخليج العربي، لا ينبغي أن يكون على حساب مصالح الدول العربية، المجاورة والبعيدة، فإذا ما استمر النهج السياسي إياه، جعل من شعوب البلدان المستهدفة بالنفوذ الإيراني قوى مواجهة ضد التمدد السياسي لهذا النفوذ وضد سياسات حكامه. هكذا وضع يقلِّص فرص التمييز التي ما زالت معتمدة حيال الوضع الإيراني، وشيئاً فشيئاً تتدحرج كرة التصنيف من الخصومة إلى العداء، على صعيد شعبي، وشيئاً فشيئاً يتراجع التمييز الذي يؤول إلى اجتهاد نخبوي معزول.

إطار الاحتجاج العراقي:
من دون افتعال، يقع الاحتجاج العراقي الحالي في سياق معركة صناعة المصير الوطني العراقي. لقد جرى تبديد خلاصة المصير السيادي العراقي تباعاً، كما جرت الإشارة، وما يتم حالياً ليس أقل من منع إعادة تكوين خلاصة مصيرية سيادية جديدة. في مجال المنع تتضافر مجدداً خطط "أميركا"، وتلتقي عند أكثر من مفترق مع خطط النظام في إيران، فالبلدان يلتقيان على الإبقاء على العراق بلد تابعاً، وكل حسب حساباته. أما "الحماوة" التي تطبع صراع السياستين الأميركية والإيرانية حالياً، فما زالت تحت سقف شروط إعادة صياغة المصالح. إيران تريد دوراً أوسع، أميركا تريد لها دوراً أضيق. النظام غير مستهدف بالسياسة الأميركية. المظلة الأميركية غير مرفوضة من قبل السياسة الإيرانية. الثمن تدفعه الوطنية العراقية، كيانياً ومجتمعياً وسيادياً وانفتاحاً على مستقبل سعيد. في هذا المضمار يخرج العراقيون معلنين افتتاح مسيرة استعادة وطنيتهم... والمسيرة صعبة متعرجة وطويلة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها