آخر تحديث:16:08(بيروت)
الإثنين 21/10/2019
share

انتفاضة 14 آذار معكوسة: الشتيمة هروباً من السياسة والرعب

محمد أبي سمرا | الإثنين 21/10/2019
شارك المقال :
انتفاضة 14 آذار معكوسة: الشتيمة هروباً من السياسة والرعب يحتاج الانتفاض في صور والنبطية إلى قوة وشجاعة استثنائيتين (عزير طاهر)
يحار المرء في نظرته إلى انتفاضة اللبنانيين الحالية: هل هي 14 آذار معكوساً أو نقضاً لرغبتهم في تبجيل زعمائهم المُغتالين واستعادتهم المهمشين منهم والمنفيين، أم أنها استئناف واستكمال لتلك الانتفاضة؟

انتفاضة الاستقلال
فبين 14 شباط و14 آذار 2005، انتفضت البيئات اللبنانية كلها، سوى بيئة الثنائي الشيعي - حزب الله وحركة أمل - على الوصاية الأمنية والسياسية السورية الأسدية المديدة، والعائدة إلى بدايات الحروب الملبننة سنة 1975. وشملت الوصاية على لبنان الدولة والمجتمع، ونظامه وزعماءه وحكوماته ونوابه. بل هي احتلال عسكري وأمني، حوّله حديقة أمامية وساحلية لسوريا الأسد. وجاءت تلك الانتفاضة الآذارية تتويجاً لنضالات، تصدرتها البيئة المسيحية خصوصاً، ضد ذلك الاحتلال الذي سلّط التهديد بالحرب الأهلية والشِّقاق الطائفي والسياسي والوطني على اللبنانيين، وسلّط الاغتيالات والتهميش والنفي على الزعماء والسياسيين بمقادير مدروسة ومتفاوتة.

وكان اغتيال رفيق الحريري الحدث الأضخم والمدوي في سلسلة الاغتيالات التي بدأت قبل اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط سنة 1977، واستمرت بحصد سواه من زعماء ومقدمي ورجالات الطوائف: تغييب السيد موسى الصدر الشيعي سنة 1978، واغتيال مؤسس القوات اللبنانية المسيحية وقائدها المنتخب رئيساً للجمهورية سنة 1982، واغتيال مفتي الجمهورية السنّي حسن خالد سنة 1989، ونفي الزعماء المسيحيين، كأمين الجميل وميشال عون في مطلع التسعينات، واعتقال قائد القوات اللبنانية سمير جعجع وسجنه سنة 1994.

لكن الاغتيالات لم تتوقف بعد اغتيال الزعيم ورئيس الحكومة السني رفيق الحريري، بل استمرت عاصفة في أثناء انتفاضة 14 آذار 2005 وبعدها، وحصدت نحو 18 شخصية من مقدمي الانتفاضة والفاعلين فيها والمنتمين إلى المسيحيين والمسلمين السنة.

وإلى رفع تلك الانتفاضة شعار تحرير لبنان من الاحتلال أو الوصاية الأسديين، واستعادته سيادته واستقلاله، وإلى تصدّر الانتفاضة إياها صور زعماء ورجالات الطوائف المغتالين والمنفيين، وتحويل المنتفضين قبر رفيق الحريري في ساحة الشهداء أيقونة جامعة لانتفاضتهم، كانوا يقولون ضمناً للاحتلال الأسدي: توقف عن قتل زعمائنا ونفيهم وتشريدهم ومطاردتهم وسجنهم وتهميشهم واستتباعهم، وعن اختيار تابعيك ووكلائك زعماء علينا ووزراء في حكوماتنا ونواباً عنا في البرلمان وموظفين في إداراتنا العامة.

واستعادة الزعماء
وفي ضوء انتفاضة 17  تشرين الأول 2019 الراهنة، كان منتفضو 14 آذار 2005 يقولون للاحتلال الأسدي: نريد استعادة زعمائنا وتحريرهم من وصايتك واغتيالاتك، ونريد نحن أن نختارهم بالأصالة عن أنفسنا، فننتخبهم كي يحكمونا ونولّيهم علينا.

وهذا ما حصل فعلاً: عاد ميشال عون وأمين الجميل وسواهما من المنفى، وحُرِّر سمير جعجع من سجنه، وانتفض وليد جنبلاط وسعد الحريري وسائر اللفيف السياسي المسيحي والسني والدرزي على الوصاية الأسدية، وتشكلت جبهة عريضة لقوى 14 آذار، وسُمِّيت قوى الحرية والسيادة والاستقلال. وذلك في مواجهة قوى الوصاية والتبعيّة للأسد، والتي تصدرها الثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل. وبعد عودته من المنفى انضم اليهما ميشال عون، وانقلب على تياره النضالي في غيبته، وصار بيضة القبان المسيحية في ما سُمي قوى 8 آذار. ثم حصد تياره عدداً كبيرا من النواب المسيحيين، بعدما طهّره من المناضلين السابقين المعارضين لانقلابه، وأخرجه في حلة جديدة: مجموعات من الوصوليين المتسلِّقين، والجائعين إلى التصدر والنيابة والتوزير والمناصب في الإدارة العامة، ثأراً من التهميش والاستبعاد اللذين أصابا المسيحيين في عهد حكومات رفيق الحريري والوصاية الأسدية.

العونيّة قناعٌ لحزب السلاح
وسكت التيار العوني الجديد عن تلك الوصاية وتاريخها، وحمَّل تبعاتها كلها، المالية والسياسية والأخلاقية، لرفيق الحريري ووليد جنبلاط وحدهما من دون سواهما، مستنهضاً العصبية المسيحية ضدهما وضد عدوه اللدود سمير جعجع، لحصد أصوات المسيحيين في الانتخابات، وصولاً إلى البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية. وللوصول إلى غاياته هذه كلها، تحالف عون وتياره الوصولي الجديد مع صنيعة الوصاية الأسدية - الإيرانية على لبنان: الحزب الخميني المسلح، أحد الفيالق العسكرية في الحرس الثوري الإيراني، والناجح أخيراً في جعل لبنان محمية عسكرية وسياسية للجمهورية الإسلامية الشيعية، بعد مشاركته النظام الأسدي في تدمير سوريا، وفي ارتكاب المذابح بشعبها وتشريده، أثناء انتفاضته السلمية على نظامه الدموي في العام 2011.

ولوصوله إلى رئاسة الجمهورية في 2016، بعد تفكك قوى 14 آذار وتشرذمها، اتبع ميشال عون وحليفه الشيعي المسلح، سلوكاً مدمراً: عطل الحياة والمؤسسات السياسية والدستورية، والمجلس النيابي وعمل الحكومة، وانتخابات رئاسة الجمهورية. فرضخت لتعطيله هذا سائر القوى السياسية الرافضة انتخابه رئيسا. وهذا على الرغم من اختبار اللبنانيين جميعاً سياساته الحربية المدمرة التي أدت، في نهايات الحروب الأهلية الملبننة، إلى استكمال السيطرة العسكرية والسياسية الأسدية على لبنان وإتمامها سنة 1990: ففيما كان ميشال عون يفاوض حافظ الأسد لتنصيبه رئيساً للجمهورية آنذاك، خاض بالجيش اللبناني حربين مدمرتين ضد جيش الأسد في لبنان، وضد القوات اللبنانية المسيحية، فلم تؤديا إلا إلى إخراجه ذليلاً مهزوماً وهارباً من القصر الجمهوري الرئاسي في بعبدا.

رضوخ لفيلق الحرس الثوري
اكتفى لبنانيو انتفاضة 14 اذار 2005 بتحرير بلدهم من الوصاية أو الاحتلال الأسديين، وباستعادة زعمائهم الذين انتخبوهم نواباً وصدَّروهم الحياة السياسية والوزارات المناصب الحكومية. ثم صدعوا صدوعاً مريراً لحزب الحرب الدائمة الإيراني، ولخوضه حرب 2006 المدمرة، واستعماله صموده فيها فائض قوة لترويضهم وكتم أنفاسهم وأصواتهم عن سلاحه وتحويله لبنان محمية للحرس الثوري الايراني. بل رضخوا أخيراً لوصايته عليهم وصاية أشد صلابة وصلافة من تلك الأسدية، في تأليف الحكومات وتعيين الوزراء.

وهكذا تحولت الدولة اللبنانية دولة صورية بدأت ريوعها وماليتها بالنضوب، وليس من هدف لتصدر مناصبها ووزاراتها والفوز بمقعد نيابي في برلمانها سوى تحصيل المكانة والسلطان، وتقاسم ريوعها وأموالها الناضبة، وتوزيعها على الرئاسات والوزراء والنواب والمناصب وبطاناتهم وأتباعهم ومحاسيبهم.

وكان أشدُّهم طلباً، بل جوعاً لذلك، التيار العوني ورائده جبران باسيل زوج ابنة الرئيس ميشال عون ورهطه الوزاري والنيابي وأقاربه ومحاسيبه، الذين جعلهم حزب الحروب الدائمة حصان طروادة في الدولة الممزقة والمشرفة على إفلاس مالي وسياسي وانهيار اقتصادي. كما جعلهم أيضاً ألسنته في الدفاع عن سلاحه وسلطانه  الإيرانيين، في وجه الحملة العربية والدولية على حصاره مالياً وسياسياً، باعتباره حزباً إرهابياً ومزعزِعاً للاستقرار في لبنان والمنطقة والعالم كله.

انهيار وإفلاس وفضائح
وهكذا ربط المجتمع الدولي الغربي ودول الخليج العربية إنقاذ لبنان من عثراته المالية والاقتصادية وتردي الخدمات العامة فيه، ومساعدته على تجاوزها، بإرادة الدولة اللبنانية السياسية والإجرائية في الفصل بينها وبين حزب السلاح والقوة الإيرانيين، وبكفِّ أهل النفوذ والسلطان في هذه الدولة عن توزيع مغانمها وعوائدها وريوعها على أتباعهم ومحاسيبهم وبطاناتهم، والقيام باستثمار مواردها والمساعدات العربية والدولية في مشاريع عامة تؤدي إلى النهوض الاقتصادي والمالي الذي يقيها من الانهيار والإفلاس.

لكن هاتين المسألتين (فصل إدارة الدولة عن قوة حزب الله وسلطانه، والكف عن تقاسم مغانم الدولة) من سابع المستحيلات في التركيبة السياسية والحكم والذهنية السياسية والاجتماعية والإدارية في لبنان. لذا تحول لبنان دولة فضائح ومهاترات يومية بين أقطاب الحكم والنفوذ والسلطان، فتفاقم الانهيار الاقتصادي والمالي وبلغ حافة الخطر، فيما استرسل أولئك الأقطاب المأزومين بتقاسم المغانم الناضبة، وتقاذف المسؤولية في ما بينهم، حتى وقعت الواقعة أخيرا.

انتفاضة الشتائم والطهارة
وخرج اللبنانيون إلى الشوارع والساحات على نحو يماثل خروجهم في 14 آذار 2005، بل أوسع منه بكثير. لكن خروجهم الجديد هذا منذ 17 تشرين الاول الجاري (2019)، جاء الباعث عليه، وجاءت شعاراته وأهدافه، معاكسة تماماً لبواعث خروجهم الآذاري في 2005: صبوا شتائمهم على زعمائهم وحكامهم، ووزعوها متفاوتة عليهم في العلانية العامة المشتركة وأمام عدسات النقل التلفزيوني المباشر. وقالوا لأولئك الزعماء والحكام: ارحلوا عنا، لم نعد نريدكم، لقد أفقرتمونا، نريد سواكم حكاماً وزعماء صادقين وأطهاراً، وغير نهّابين، ونظيفي الأكف، وتكنوقراطيين بريئين من السياسة وتدليسها وأكاذيبها ونهبها. بل نريد أن تعيدوا إلينا الأموال التي نهبتموها، الآن الآن وليس غداً، كي نتخلص من إفقارنا ومهانتنا اللتين أوقعتمونا ولبنان فيهما.

هذا هو البرنامج السياسي، الأخلاقي والعاطفي كله، لانتفاضة 17 تشرين الأول الجاري، الشعبوية البريئة والمستمرة عارمة ومفاجئة في الديار اللبنانية كلها. وهو برنامج يكاد يقتصر على شتيمة السياسيين والحكام والزعماء: "كلن يعني كلن" بلا استثناء، إلا بمقادير الشتيمة وإقذاعها وسلاطتها في التعرض لبعض زعمائهم وحكامهم، مثل جبران باسيل ونبيه بري وزوجته، وفي لجمهم ألسنتهم عن التعرض بمثلها لآخرين من أمثال حسن نصرالله وسعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع. واختلاف مقادير الشتائم ونوعها ولجم الألسنة، يتراوح بين الخشية والخوف والرعب، في حالة حسن نصرالله، وبين شيء من العطف والتقليل من المسؤولية عن السرقة والنهب والإفقار في حالة سعد الحريري وسمير جعجع ووليد جنبلاط، باعتبارهم هامشيين وقليلي الحيلة والشأن في التركيبة السلطوية التي يتصدرها حزب الحروب الدائمة من خلف ستاره الحديدي، وجبران باسيل في هذره اليومي السعيد بمناصبه، وخواء كلامه السَّيال، وخلائه إلا من التحريض الطائفي والعنصرية على اللاجئين السوريين والدفاع عن إجرام بشار الأسد ونظامه المدمر، فيما عمه الرئيس ميشال عون يسترسل في دعمه وتدليله، مسروراً بتسليطه وسلاطة لسانه، وبتوريثه رئاسة الجمهورية الخاوية والممزقة.

قوة صور والنبطية
قد يكون اللافت والقوي الدلالة والمعنى في انتفاضة 17 تشرين الأول المستمرة، ذلك الذي حصل في جنوب لبنان الشيعي، وتحديداً في مدينتيه الكبريين صور والنبطية، حيث معقل الثنائي الشيعي المسلح، حزب الله وحركة أمل.

فالانتفاض هناك والخروج إلى الشوارع والساحات غضباً من سلطان هذا الثنائي وجبروته الخانق والساحق والمديد، يحتاج إلى قوة وشجاعة لا يحتاجهما الانتفاض الشتائمي على سائر الزعماء الآخرين.

لكن الانتفاضة في سائر المناطق اللبنانية لا يزال دبيبها قائماً وفاعلاً ومستمراً، ويكتنفه الغموض والفقر السياسيين، بقدر غموض مصيرها وخوفها من الأمني.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها