آخر تحديث:21:53(بيروت)
السبت 19/10/2019
share

يوم تاريخي في لبنان: القطيعة مع النظام

المدن - لبنان | السبت 19/10/2019
شارك المقال :
يوم تاريخي في لبنان: القطيعة مع النظام ثلاثة أيام من الاحتجاجات ولم تقدم السلطة أي تنازل (Getty)

الخطاب الوقح لوزير العهد ورجل السلطة "القوي" جبران باسيل، تلاه خطاب العاجز المستسلم والخائف على مستقبله السياسي، القائم بمقام رئاسة الحكومة سعد الحريري، تُوّجا بالتدبير العملياتي الغبي ليلاً: قمع المتظاهرين ومطاردة الناشطين.

بين الخطابين ومشهد ليل الجمعة – السبت كان الامتحان المقلق للحراك الشعبي، وسؤال استمرار الاحتجاجات.

لكن، وكعادة أي سلطة في هكذا لحظات، توالت "الحماقات" تباعاً. جاءت صوَر ميليشيات حركة أمل في صوْر والنبطية في الصباح، ثم جاء الخطاب المتعجرف لحسن نصرالله ظهراً. هكذا اكتمل الجواب الرديء للنظام اللبناني من كل أركانه، إضافة طبعاً إلى بقاء الرئيس ميشال عون على حال الإنكار والمكابرة والصمت.

الإجابة الحمقاء والاستفزازية كانت بمثابة الغذاء الضروري لتجدد الاحتجاجات على نطاق واسع وأكثر جذرية. بل يمكن اعتبار الساعة التي تلت خطبة نصرالله هي اللحظة الحاسمة لتحول "الاحتجاج" إلى "انتفاضة" كاملة الأوصاف.

مشهد صور والنبطية سيشكل منعطفاً سياسياً كبيراً بعلاقة "الشيعية السياسية" مع جمهورها الذي اصطدم بحقيقة التناقض الفاقع بين الواقع والخطاب، بين الشعارات والممارسة. وهم إذ يظنون أنفسهم "أشرف الناس" فالأحرى أن يحكمهم شرفاء أيضاً. وإذا هم "منتصرون" فالأحرى أن لا يكونوا مذلولين. التعبيرات العفوية التي قالها الجمهور الشيعي أفصحت عملياً عن معرفة عميقة بالهوة الفاصلة بين الرغبة بحياة كريمة وانتدابهم باستمرار للموت والحروب. والأهم، أنهم عبروا كثيراً عن انحيازهم الوجداني لشعوب الربيع العربي، بما يكشف عن اعتمال التناقضات التي يضطرب بها وعيهم السياسي "القلق".

الحدث الشيعي وخطورته كان واضحاً على وجه نصرالله وفي نبرته وكلماته، فلبنان تحت سيطرته هذه المرة. وحاله نتاج مباشر للخيارات التي فرضها على البلد منذ العام 2006. والسلطة السياسية التنفيذية والتشريعية إنما هي من صياغته ورسمه وهندسته. لذا، هو في عيون الشيعة أولاً وكل اللبنانيين المسؤول الأول. انتهى تحييده عن نقد السلطة.

خوف نصرالله على النظام اللبناني الذي دبّره باللين والعنف، بالترغيب والترهيب، هو خوف على إنجازه الأكبر: الوصاية على لبنان. لقد انحاز للسلطة القائمة ضد جمهوره.

على هذا النحو، اكتملت الصورة وتوضحت بعد ظهر السبت. عرف اللبنانيون من هم خصومهم. شعار "كلن يعني كلن" لم يعد تورية ولا مجازاً. اكتسب أسماء معلنة، خصوصاً: حسن نصرالله، نبيه برّي، ميشال عون، جبران باسيل، سعد الحريري.. وهؤلاء جميعهم تبرعوا من تلقاء أنفسهم باستفزاز اللبنانيين وتحريضهم ودفعهم إلى الساحات. لقد صنعوا انتفاضة شعبية بأيديهم.

الاستخفاف بالحراك والاحتجاج، والظن أن الأمر اقتصر على تجميد رسم على خدمة الواتسآب، وصم الآذان عن المطالب، والتلكؤ بتقديم أي تنازل للجمهور الغاضب والاستخفاف بعقول اللبنانيين واحتقارهم والتذاكي عليهم، بل وتحديهم كما فعل باسيل، وتهديدهم كما قال نصرالله، أظهرهم غير جديرين بالاحترام ولا الثقة (إن لم نقل يستحقون الشتيمة على غرار ما يتفوه به مئات الآلاف الآن). الرئيس سعد الحريري كان أكثر استفزازاً، إذ تذكر اللبنانيون يوم 28 شباط 2005، حين كان كافياً أن يتجمهر بضعة آلاف في ساحة الشهداء ليستقيل عمر كرامي فوراً من رئاسة الحكومة، رغم أن لا حول له ولا قوة ولا دخل في مأساة اغتيال رفيق الحريري.

الاستفزاز المقرون بالغباء والعجرفة والفجور كان كفيلاً أن يكون يوم السبت 19 تشرين الأول 2019 تاريخياً. لم يبق طريق رئيسي في لبنان إلا وقطع واحتشد فيه السكان. لم تبق بلدة رئيسية أو مدينة لبنانية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب إلا وتحتضن اعتصاماتها وتظاهراتها. بل واتحدت، على عكس مشهدية 2005، ساحتا رياض الصلح والشهداء بمليونية أكيدة.

لقد وقعت القطيعة بين النظام واللبنانيين. الانتفاضة ابتدأت.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها