آخر تحديث:12:38(بيروت)
الثلاثاء 01/10/2019
share

إنه الحب يا كاندس

جهاد بزي | الثلاثاء 01/10/2019
شارك المقال :
إنه الحب يا كاندس يا لها من لحظة درامية شديدة الخصوصية والحميمية (Getty)
نعم نعم.

إنها حياته الشخصية، والكرم ليس عيباً، كما أن المال المهدى من المستحيل أن يكون من أجل الجنس وحده، أو أن تكون كاندس اشترطت عليه هذا الرقم الهلامي من أجل الجنس. لن تجرؤ على تخيل واحد بالمئة منه، أي ما يعادل 160 ألف دولار، أي ما يعادل شقة عادية في لبنان، يمضي زوجان 30 سنة في دفع أقساطها.

نعم طبعاً.
إنه ماله. مؤسساته الموروثة كانت حينها تنهار والبلد بحاضره ومستقبله ينهار، وموظفوه يئنون بسبب رواتب متأخرة الواحد منها، مثلا، ألفا دولار في الشهر، أي ما يعادل 0.0125 بالمئة من 16 مليون دولار. لكن هذا ليس عائقاً أمام أن يرمي 16 مليون دولار في حسابها البنكي دفعة واحدة. إنه الحب.


إنه الحب، ولا شيء غيره، بالإضافة إلى تفصيل تقني بسيط. حساب بنكي لن تجيد عقولنا أبداً قراءة الأرقام فيه. الحب القادر على تحويل 16 مليون دولار إلى حساب آخر، هكذا، ببضع نقرات على الهاتف الذكي.


يا لها من لحظة درامية شديدة الخصوصية والحميمية، تلك التي عاشها سعد الحريري مع نفسه بينما يضغط موافقاً على إرسال المال. في العادة، يسأل البنك الآلي المرسل مرة واحدة، "موافق؟". لكن بنك سعد، الذي بدوره نعجز عن تخيل اسمه ومكانه،  لا شك أنه سأله مرة بعد مرة، وبالانكليزية: أكيد؟ هل أنت واثق؟ هل فكرت مثلا ماذا سيقول أهل طريق الجديدة إذا عرفوا؟ جنود الجيش الذين يحبونك في عكار؟ مصطفى حمدان؟ صيدا يا سعد؟ صيدا شو رح تقول يا زلمي؟


لكن سعد أرسل المال، نكايةً فحسب. نكاية بإرث الأب الذي لم يطلبه، وحمله غصباً عنه مع ذلك. نكايةً بهذا البلد الذي فاق استيعابه، كما استيعابنا. نكايةً بحظ سيء جعله مليارديراً وزعيماً في آن معا. نكاية بحزب الله وبشار الأسد والسعودية وباراك أوباما و14 آذار وفارس سعيد.. ضغط سعد على زر الموافقة وأرسل 16 مليون دولار لكاندس. نكاية بحياة كانت طرية وتصلبت وتعقدت ولم تعد تُبلع. نكايةً بالكوكب الذي لا يفهم رقة قلب سعد، واستعداد هذا القلب للهيام إلى آخر ما فيه من نبض، عشقاً.


إلى الحب لجأ سعد في مواجهة عالم لا يفهمه. والحب يبرر كل شيء، وسعد ليس شاعراً، ولا مغنياً، كما أن كاندس لا تعرف من يكون عبد الحليم حافظ وكاظم الساهر ونزار قباني. سعد ليس روميو، وكاندس ليست جولييت. كيف يعبر العاشق الملياردير عن عشقه إذن؟ نعم. بـ16 مليون دولار، أي ما يعادل 16 مليون سندويش فلافل، أي ما يعادل 5.33333 سندويش فلافل لكل مواطن من الثلاثة ملايين لبناني. بدلاً من أن يتخم سعد كل لبناني ولبنانية بخمسة سندويشات فلافل في يوم واحد، أتخم حبيبته بـ16 مليون دولار لمدى العمر. تكرار هذا الرقم لا يخفف من ذهولنا به في كل مرة. فكيف كان ذهول كاندس بلحظتها، وهي تسأل نفسها كم بيكيني يمكنها أن تشتري بـ16 مليون دولار؟


لا شك أن البيكيني أغلى من سندويش الفلافل. مع ذلك، فإن أكثر شواطئ العالم اكتظاظاً لن يجمع لباس بحر كل روادها، ذكورا وإناثاً وأطفالاً كل هذه الملايين. لا بأس. الحب ليس عيباً. الفلافل ليست عيباً، والبكيني أيضاً ليس عيباً.


16 مليون دولار ليست عيباً. على العكس، هي صرخة ثائر. لحظة غيفارية لكن من المقلب الآخر الذين نجهله نحن العاديين. حين يغضب ملياردير مثل سعد على واقعه، فلن يصرخ ويحطم أواني المطبخ، أو يحمل السلاح في غابات بوليفيا كما تشي غيفارا، أو يغلق نفق سليم سلام بالإطارات المشتعلة كما يفعل العاديون المساكين. لا. يقرر أن يكون مارداً يخرج من القمقم ليحقق حلم يتيم لعارضة أزياء في العشرين من عمرها بأن تصير مليونيرة.. هكذا تكون الثورة في قمة أناقتها. هكذا يتفوق سعد الحريري على الجميع، ثوريين وسياسيين وشعراء وعشاقاً سريين. هكذا يحطم رقماً، قد نظنه لسذاجتنا في الأرقام، قياسياً. هكذا يبرهن في وجهنا نظرية الحقد الطبقي. هكذا يلعب سعد اللعب نظيفاً. فن للفن.


الملايين ملايينه والقلب قلبه. يميلون حيث يميل بهم الهوى. تفوق سعد الحريري علينا. كل السخرية غيرة جارفة منه. كل الأخلاق الحميدة الطارئة التي ستربط بين بذخه ومآسي موظيفه وبلده إدعاءات كاذبة. كل ما سنقرأه عن نفور منتظر لطائفته منه، لأنه لا يشبهها، لأنه لم يلمس نبضها، مجرد تأملات لأعدائه الكثر.


لن يفرق شيء معك حين تقع في الحب. ومثل سعد الحريري، حين يقع في الحب، لن يقارن بين سعر الدولار في السوق وسعر البكيني وسعر سندويش الفلافل.

إنه الحب يا كاندس، ومحسوبك سعد عاشق متيم وولهان.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها