آخر تحديث:00:13(بيروت)
الثلاثاء 08/01/2019
share

دار الفتوى و"طبش" الحريرية السياسية

جنى الدهيبي | الثلاثاء 08/01/2019
شارك المقال :
دار الفتوى و"طبش" الحريرية السياسية بدت نائبة بيروت "السنية" عن التيار "العابر للطوائف"، مسلوبة الإرادة في خضوعها لبيت الطاعة الديني (موقع دار الفتوى)

ثمّة ما هو أبعد من "النكسة" التي أصيبت بها النائبة رولى الطبش، بعد أن تعرضت لنوعٍ من "التأديب" الديني، إثر إقترافها "ذنب" القبول بوضع الكاهن الكأس المقدسة على رأسها. وإذا كان ما حصل مع الطبش في مثولها في دار الفتوى، وهي تضع شالًا على رأسها، لإعلان توبتها بنطقها الشهادتين واعتذارها من الله، وأخذ درسٍ في الشريعة الإسلامية، هو جزءٌ من مسار سطو الخطاب الطائفي في لبنان، إلّا أنّ ذلك يبدو بوادر لمنعطفٍ مفصلي في أداء دار الفتوى وتيّار المستقبل معًا.

الهشاشة والخضوع
ليس مبالغة الذهاب بحادثة الطبش إلى ما وراء "التوبة"، لما تُخبئه من تحولٍ طارئ على الأداء السياسي للطائفة السنيّة في السلطة. وما رافق هذه التوبة، من حملةٍ شرسة على تيار المستقبل، الذي لم ينتفض لكرامة نائبته، يغدو كونه مبررًا ومنطقيًا بحقِّ تيارٍ بدا خجولًا لدرجة الهروب من استغلال الموقف واللحظة، من أجل المجاهرة بهويته الليبرالية التي بنى أمجاده على أطلالها. غير أنّ الأمر لا يقتصر عند هذا الحدّ. وما هو أبعد من مشهدٍ بدت فيه نائبة بيروت "السنية" عن التيار "العابر للطوائف"، مسلوبة الإرادة في خضوعها لفروض بيت الطاعة الديني (أيّ دار الفتوى)، يرسم علامات الاستفهام على "هشاشة" الاعتدال الذي أرساه السّنة في السلطتين الدينية والسياسية.

لعلّ موقف مفتي الجمهورية، الشيخ عبد اللطيف دريان، من الطبش، بدا غريبًا عنه، حين ظهر في استقباله لها بسطوة من يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. وما يؤكد غرابة هذا الموقف، عدم انسجامه مع المسار الذي كرّسه دريان في رؤيته منذ انتخابه مفتيًا في آب 2014.

صوت الاعتدال!
تاريخيًا ورسميًا، دار الفتوى الذي أنشئ كمؤسسة حكومية في العام 1922، أُسندت إليه مهام محدّدة، تشمل إصدار الأحكام الشرعية الخاصة بالطائفة السنيّة، إلى جانب إدارة المدارس الدينية والإشراف على المساجد وأئمتها، ضمن إطار تولّي كلّ طائفة في النظام اللبناني إدارة شؤونها الداخلية بنفسها. لكنّ انتخاب دريان خلفًا للمفتي السابق محمد رشيد قباني، جاء في لحظة حساسة، محليًا وإقليميًا، تضيع فيها أو ربما تغيب الزعامة السنيّة، فيما كان لبنان يشهد على نموّ التطرف الإسلامي والجماعات السنيّة المتشددة.

هذا الواقع، جعل مجيء المفتي دريان مقرونًا بصوت الاعتدال، وهو ما كرّسه في خطاب تنصيبه، إذ تعهد محاربة التطرف والإرهاب، وتعزيز أكبر قدرٍ من التواصل في العلاقات الإسلامية - الإسلامية والإسلامية - المسيحية، لبلوغ "فكر إصلاحي ومبادرات إصلاحية كبرى". أمّا مساعي دريان في صناعة دورٍ بارزٍ ومتميّز، انطلاقًا من قدرة دار الفتوى وموقعه فيه، بعيدًا عن كونه موظفًا حكوميًا لامعًا، فقد كرّسها في كثيرٍ من مبادراته. بدءًا من عقده لقاء الأديان في قمّة مسيحية – إسلامية، بعد أشهرٍ تلت انتخابه، إلى تواصله مع مختلف المرجعيات اللبنانية الروحية والسياسية، ولقائه عددًا من الشخصيات الشيعية بما فيهم وفد من حزب الله، تحت شعار تعزيز الوحدة الإسلامية ونبذ التوترات المذهبية.

سلطة دينية - سياسية
الشيخ دريان، الذي تلقى تعاليمه بالمدرسة الأزهرية، ومن ثمّ في الجامعة الإسلامية في السعودية، كان ولا يزال يكرر على أنّ الطائفة السنية في لبنان، هي "ضمانة للاعتدال والوطنية والولاء للدولة". ورغم أنّه لا يحظى بإجماع التيارات الإسلامية – السنية، تحديدًا الجماعة الإسلامية والسلفيين ورجال دين آخرين يهاجمونه، استطاع أن يستفيد من المساعي السعودية والمصرية لتوطيد دور المؤسسات الدينية السنية في لبنان، من خلال الترويج لرجال دين مرنين سياسيًا، مقابل تهميش الإسلاميين المسيسيين ضدّهم. فماذا يحلّ بهذه المرونة؟

خطورة ما حدث مع النائبة الناطقة بالشهادتين، يطرح تساؤلات عدّة حول "مستقبل" تيار المستقبل، والحريرية السياسية، التي أرساها الرئيس الراحل رفيق الحريري، بمفهومها الأصلي، تحديدًا بعد اتفاق الطائف. فهذه الحريرية العابرة للطوائف التي أنشأها الحريري الأب قولًا وفعلًا، عبر احتضانه لنواب ووزراء مسيحيين أعطوه رافعة في الشارع المسيحي، وسعيه لاستقطاب شخصيات شيعية، في ظلّ الغياب الكلّي لأيّ خطاب طائفي أو مذهبي لدى تيار المستقبل، لم يعطِ  فيها مجالًا لدار الفتوى لعب دورٍ بديلٍ عنه في السلطة السياسية. إلّا أنّ حادثة الطبش، تكشف تدهورًا غير مسبوقٍ في "مرونة" دار الفتوى، وفي مبادئ الحريرية السياسية؛ وأنّ أيّ سلطة دينية حين يتسنّى لها لعب دور سياسي تحت غطاءٍ أخلاقي وعقائدي، لن تفوّت الفرصة، حتّى لو كانت مناقضةً لشعاراتها.

وجه الهزيمة
ما يبدو أكيدًا، هو أنّ تجاهل التيار الأزرق لما حدث مع الطبش، قد يكون إنذارًا لانتقاله إلى مكان آخر. أو ربما، قد يكون ثمنًا يدفعه مقابل خسارته بالقانون النسبي في انتخابات أيار 2018، الذي كرّس مفهوم "كلّ حزب قوي بطائفته". لكن انجرار المستقبل مع رئيسه "بيّ السنة" إلى هذا المكان، جاء على هيئة "الهزيمة" بعد انعدام الخيارات، خلافًا لوضع التيارات والأحزاب الأخرى مع طوائفها، التي تظهر قويّة بها، بمكتسباتها وليس بهزيمتها. 

في الواقع، يبدو ارتداء الحريرية السياسية للثوب الطائفي، فضفاضًا عليها ولا يشبهها، لا سيما أنّ التيار ينصاع لأهواء شارعه، بدل أن يتولى مهمة قيادته، ربما لأنّه عاجز على فعل ذلك. فهذا الشارع السني، المهزوم بصلاحيات رئيس حكومته داخليًا، والذي يتفرج على هزائم محوره إقليميًا، وعلى طابور العائدين إلى حضن الأسد، قد لا يجد ضيرًا في افتعال عصبيةٍ سنيّةٍ، كردِّ فعلٍ ثأري وهزيل في آن معاً، على كلّ هذه الهزائم في السلطة والنفوذ. 

أمّا ما يفعله تيار المستقبل ودار الفتوى معًا، بعد أن كان الأخير متهمًا بالرضوخ لإملاءات رجالات السياسة، فقد يبدو أقرب للانجرار خلف عصبية الشارع السّني الغاضب، احتواءً واندماجًا. وذلك، كخيارٍ لا بديل عنه، حتّى لا ينقلب السحر على الساحر.

هكذا، أصبح خطاب الاعتدال لحنًا يتردد عند الحاجة، يصعب عيشه وممارسته، كلما اكتشفوا أنّه فارغ المضمون والمعنى. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها