آخر تحديث:00:28(بيروت)
الإثنين 07/01/2019
share

مناكفات اللبنانيين... السورية

أحمد جابر | الإثنين 07/01/2019
شارك المقال :
مناكفات اللبنانيين... السورية العلاقة مع سوريا موضوع خصومة بين فرقاء لبنانيين أولاً (Getty)

قليلاً ما يدور نقاش اللبنانيين حول مصالحهم العامة، وكثيراً ما يراوح اللبنانيون في سجالاتهم في أمكنة مصالحهم الخاصة المتفرقة. هذه الوضعية اللبنانية، الخاصة وغير العامة، ما زالت ملازمة للأحوال السياسية والاجتماعية الوطنية، أما الوظيفة الاقتصادية فقد نجت منها قليلاً. من قبيل ذلك، أن اللبنانيين المختصمين عروبياً أو فينيقياً أو سريانياً أو "عولمياً" في الداخل، يظهرون انسجاماً وظيفياً اقتصادياً في الخارج وحياله، وبقدرة "قادر وطني" عابر، يدخلون العروبة والعالمية و"الكوسموبوليتية" من أبوابها الواسعة. هكذا يصير لبنان "منارة إشعاع"، حسب وصفه من قبل بنيه، ساعة يشاء الفيلسوف الاقتصادي. وذات البلد، أي لبنان، يعود أحفوراً تاريخياً ساعة يريد "الشاعر" الاجتماعي. ما بين الترحال الاقتصادي والثبات الاجتماعي، تآكلت البنية اللبنانية، في استقامة سيرتها وفي صيرورة لغتها، وفي متابعة تطوير آلياتها الاندماجية الوطنية العامة.

الاستقلال والاستتباع
يتبادل الساسة في الراهن مسألة العلاقة مع سوريا، وهم إذ يفعلون ذلك يسقطون من حسابهم مسائل عديدة، واقعية وحاضرة. أي أنهم يوقفون حروف كلماتهم وأخيلة آرائهم عند تاريخ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005. هذا الموعد كوقف بياني أول، ويكررون الوقوف على عتبة العام 2011، الذي شهد بدء هبوب العاصفة السورية الداخلية، هذا كنقطة وقف تبييني ثانية.

لا تأخذ وقائع العام 2018 بمحطتي الوقف والتوقف اللبنانيتين، بل إن قطار الأحداث يجد كل المسافرين على متنه، على أن يحسنوا اختيار محطات مغادرتهم له، هذا إن كان أصحاب الشأن قد حددوا تلك المحطات – الأهداف قبيل مباشرة رحلتهم، والقطار ذاته يفرض عليهم مغادرته، إذا ما اكتشفوا أنهم اختاروا خط سير السفر الخاطئ. فإذا تأخروا في اكتشاف خطأهم كان عليهم النزول إجبارياً، في محطة الوصول الأخيرة.

السؤال الذي يطرح نفسه على المعنيين بأمر العلاقات اللبنانية السورية هو: ما خط السير المقترح من قبلكم؟ وما هي المحطات الاختيارية التي يجب المرور بها من مراكز القرار اللبنانية وصولاً إلى مراكز القرار السورية؟ الجواب عن هدف رحلة العلاقات مطلوب من الجانب اللبناني أولاً، إذ على ضوء بنود الجواب، وفي سياق تبيان وشرح أسبابه، وبناء على الأهداف الأساسية التي يقصد الجواب تحقيقها – بناءً على كل ذلك، تسقط السياسات المجانية التي تسوق الكلام للكلام، وتسقط التوجهات العشوائية التي تنقل الوضع اللبناني من إشكال إلى إشكال، وتبرز واضحة معالم السياسة الاستقلالية الوطنية التي تختزن المصالح الموضوعية للبنانيين، مثلما تنزاح براقع السياسات الإلتحاقية التي تبرر الهيمنة السورية السابقة، وتروِّج لأشكال من هذه الهيمنة، المرغوبة اللاحقة، طلباً لمغانم فردية أو "تكتلية"، وتوكيداً لمقولة الاستقواء بالخارج على الداخل، وهذا مما يعرفه الوضع اللبناني جيداً، ولدى كل جهة أهلية لبنانية مع منوعات الاستقواء ما تردد معه قول الشاعر "وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو...".

عودة الاستقواء
إلقاء الضوء على جواب سؤال ماذا يريد اللبنانيون من سوريا، هو مفتاح إعادة الدخول إلى رحاب العلاقات اللبنانية السورية من بابها الرئيسي، والتوجه إلى الذات اللبنانية بالسؤال ليس اختياراً عشوائياً أو استنسابياً، بل هو توجه مقصود، لأن الداخل اللبناني هو المسؤول عن صياغة طلباته، وهو المدرك لحقيقة حاجاته، وهو ضابط إيقاع كفتي ميزان علاقة موضوعاته بكل العلاقات الخارجية. وقد يكون ضرورياً التذكير مجدداً، أن العلاقة مع سوريا ليست شأناً خارجياً صرْفاً، بل إن سوريا في لبنان عنصر من عناصر اللبنانية (التكوينية). وعلى القياس ذاته، يمكن القول أن لبنان أيضاً هو عنصر من عناصر السورية الكيانية. لعل هنا يكمن معنى خصوصية العلاقة التي يتحدث عنها المهتمون بمتابعة وقراءة وشرح معنى الروابط السورية اللبنانية، على أية حال كانت عليه هذه الروابط، في كبوتها أو في نهوضها، وفي ضمورها أو في ازدهارها.

في سياق ما تقدم، لنلاحظ أن العلاقة مع سوريا هي إشكالية داخلية لبنانية اليوم، أو لنقل هي موضوع خصومة بين فرقاء لبنانيين أولاً، لأسباب محض سياسية، ولدواعي استدعاء "النصرة" السورية التي بدا للداعين أنها ما زالت تمتلك قواعد الفعل والتأثير في مجمل ممرات السياسات اللبنانية. تلخيص ذلك، أن من يطرح مسألة العلاقة مع سوريا اليوم لا يقدم على ذلك مدفوعاً برغبة عروبية متجددة، ولا برؤية "صمودية" فات أوانها، ولا وفق حسابات مصالح اقتصادية واجتماعية، ولا طلباً لتثبيت الاستقرار الداخلي اللبناني، بل إن المنادين بالعودة إلى سوريا لا يطلبون أكثر من الفوز داخلياً على من ينزلونهم منزلة الخصوم، وهم يجتهدون عملاً وقولاً في سبيل هذا الفوز، ولو على حساب كل "الوطنية" اللبنانية، لا بل على حسابها الذي يبددون رصيده من دون وازع أو رقيب.

في العلاقة الصحيحة
بناءً عليه، تقتضي المصلحة الموضوعية اللبنانية انتزاع مسألة العلاقة السورية من أيدي وألسنة المتاجرين بها، وبعد ذلك ينبغي استعادة أسس الخطاب "العلاقاتي" الذي يخاطب فعلياً مسائل استقامة العلاقات اللبنانية السورية، بعيداً مما علق بكل الخطب من قول مذهبي ساقط، أو من قول اعتزالي مدان، أو من قول تقوقع وتكور على "لبنانية" لا وجود لها إلاّ في مجاهل الشعر وفي كهوف النثر.

لبنان وسوريا، لا طريق سوى طريق العلاقة الصحيحة بين بلدين مستقلين. رُبَّ قائل: لكن ماذا عن النظرة النظامية السورية إلى هذه العلاقة؟ ربما كان الجواب الأسلم، هو أن لبنان لا يستطيع إلا أن يكون في موقع الهجوم الإيجابي عربياً ووطنياً واستقلالياً، وقد يكون في ذلك تمرين أساسي، بل هو تمرين حقاً، على كيفية بناء وطنية داخلية مستقلة في شؤونها عن الآخرين، كل الآخرين، بحيث يكون الداخل ومصالحه مقياس كل علاقة، وبحيث ينضبط المجموع اللبناني تحت سقف هذا الداخل، وبحيث يكون للبناء أصدقاء، ويكون اللبنانيون حلفاء لمن كان حليفاً، لا مجموعات يسهل استتباعها، لأن نوازع التبعية مقيمة في الداخل، والنزوع إلى الهيمنة موجود في كل خارج.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها