آخر تحديث:00:04(بيروت)
الأحد 06/01/2019
share

صورة لبنان المشينة في الخارج

نبيل الخوري | الأحد 06/01/2019
شارك المقال :
صورة لبنان المشينة في الخارج في حقبة الستينات، كان الوضع أفضل بكثير مما هو عليه الآن، مع ذلك كانت سمعة الحكام سيئة (Getty)
"مسيحيون، شهابيون وجماعة الحلف (الثلاثي)، مسلمون سنة أو شيعة، دروز أو أرمن، علمانيون أو رجال دين، مطارنة ومفتون، همّهم الأول دفع أعمالهم [...]. في ما يتعلق بالمشاريع التجارية في الواقع، فإن ضعف السلطة، فساد الحاكمين، الرشوة، أو عدم كفاءة الإدارة، كلها أمور من شأنها أن تبقي القرارات المجدية في حالة شلل، بما يكفي من الوقت (لتأمين) انتفاع بعض مجموعات الضغط النافذة". هذا ما ورد في تقرير دبلوماسي لسفير فرنسا في لبنان، بيار لوران مييه، بتاريخ 10 شباط/فبراير 1969، لم ينشر من قبل، والذي اطلعنا عليه في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي أثناء القيام ببحث أكاديمي.

سمعة مشينة
مرّت خمسون سنة على هذا التوصيف الذي عكس، ولا يزال يعكس، صورة سلبية عن الطبقة الحاكمة في لبنان. في تلك الحقبة، كان الوضع أفضل بكثير مما هو عليه الآن. لكن رغم ذلك، كانت سمعة السياسيين والحاكمين والنافذين مشينة. فماذا عن سمعتهم في المرحلة الراهنة؟ ماذا يكتب الدبلوماسيون الأجانب في برقياتهم وتقاريرهم عن لبنان، وعن الحاكمين فيه اليوم؟ ربما يذكرون كلاماً مشابهاً لما ورد في صحيفة "واشنطن بوست"، في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2016، ومفاده أن أكثر من ثلث الإنفاق السنوي للحكومة اللبنانية يذهب لتمويل فوائد الدين العام، الذي تمتلك المصارف نحو 85 بالمائة منه. وبما أن السياسيين اللبنانيين وعائلاتهم يسيطرون على ثلث الأصول المصرفية، فإن هؤلاء القادة السياسيين هم من يستفيد في المحصلة من هذه الأموال التي تسددها الحكومة. ما يساهم كذلك في تفاقم المديونية، حسب ما جاء في تقرير تلك الصحيفة الأميركية!

انتشر هذا النوع من التقارير، التي تنقل صورة لبنان إلى الخارج، على نطاق واسع في السنوات القليلة الماضية. موضوعاتها لا تبدأ مع مشهد هيمنة نخبة أقلية حاكمة، فاسدة وغير كفوءة، تُدير الشأن العام بشكل يخدم مصالحها المالية الخاصة، أو مع مشهد النفايات المتراكمة وعجز الدولة عن حل هذه المشكلة، وعزمها استخدام تقنية محارق، يجري التخلي عنها في الدول المتحضّرة. ولا تنتهي مع مشهد تآكل الجبال والمساحات الخضراء وتشويه الطبيعة لمصلحة الكسارات والعمران العشوائي، ولا مع الانتهاكات المستمرة للأملاك البحرية. التلوث، غياب التخطيط في مشاريع البنى التحتية، الزبائنية، الهدر، تبييض الأموال، طغيان الاعتبارات التجارية على الضرورات الصحية والإنسانية في القطاع الاستشفائي، العنصرية، حرمان المرأة من أبسط حقوقها بمنح الجنسية لأولادها... كلها عناوين لما كُتِب ولما يمكن أن يُكتب عن أحوال لبنان.

بناء صورة مغايرة
ما تتناقله الصحف ووسائل الإعلام الدولية والدوائر الدبلوماسية الأجنبية حول لبنان، لا يندرج كلّه في خانة التضليل، والمؤامرة لتشويه السمعة. ربما يطيب للبعض أن يظهر صورة لبنان السلبية أمام الرأي العام الدولي. لكن قسم من أولئك الذين ينقلون المشهد، يقدّرون جيداً مميزات وجمال لبنان، ويأسفون على ما آل إليه الواقع بسبب سوء الإدارة والحوكمة. هؤلاء يتعاطفون مع هذا البلد ومواطنيه، ربما بقدر أكبر بكثير من تعاطف الطبقة الحاكمة حياله وحيالهم. لعلهم يريدون إيصال رسالة تدعو إلى صحوة ضمير، وإلى تغيير داخلي يُتيح إعادة بناء صورة جديدة، إيجابية وجذّابة.

لا تتحقق مهمة كهذه بواسطة البروباغندا الإعلامية. ولا تكفي الحيوية السياحية والأنشطة الرياضية والفنية المتنوعة لتحسين السمعة. وضع لبنان على خريطة الدول ذات "القوة الناعمة"، وتحويله لنموذج ناجح يحتذى به، بدلاً من بقائه عبرةً لكيفية الفشل في عملية إعادة بناء الدولة، يتطلبان عدم الاكتفاء برفع شعارات النزاهة ومكافحة الفساد والعدالة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة والسياسات العامة الفاعلة، بل ممارستها وتطبيقها فعلياً. لأن بناء الصورة يحتاج إلى أفعال ملموسة لا إلى كلام فضفاض، تُتْقنه جيداً الطبقة اللبنانية الحاكمة، تماماً كما تُتْقن الفساد والنفاق والطائفية والغوغائية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها