آخر تحديث:00:20(بيروت)
الأربعاء 16/01/2019
share

ليست رولا الطبش.. بل الحريري وصحبه

جنى الدهيبي | الأربعاء 16/01/2019
شارك المقال :
ليست رولا الطبش.. بل الحريري وصحبه نواب"المستقبل" لا يفوتون فرصة زيارة السفارة السعودية (الإنترنت)

لم ينتهِ الهجوم على النائبة رولا الطبش بعد، ولا توقفت النكات عنها. لا شكّ أنّها كامرأة انتُخبت لأول مرّة، في وضع لا يُحسد عليه. وبعد أن سجّلت الطبش "نكستها" الأولى بنفسها، بـ"اعتذارها من الله" في دار الفتوى، فتحت أبواب النكسات على مصراعيه، قبل أن تنهي سنتها الأولى في البرلمان.

الشفقة والسخرية
قد يُدرك المهاجمون و"النكّاتون" في صميمهم، أنّ النائبة التي رفضت الاعتذار هذه المرّة، لوضعها على كتفيّها شالًا يحمل شارة المنتخب السعودي، أثناء مشاركتها في مشاهدة لعبة "كأس آسيا" بين منتخبي لبنان والسعودية، في السفارة السعودية، أصبحت موضعًا للشفقة.

كأنّ نُطقها الشهير بالشهادتين، وضعها تحت المجهر لتصيّد هفواتها. في المنطق الإنساني، قد يكون من واجب صيّادي هفوات الطبش، أن يلتمسوا لها عُذرًا. فهي المحامية الطارئةُ على السياسة، في تيارٍ أثبت نوابه الجُدد، نساءً ورجالًا، افتقادهم للعمق والحنكة، لا بدّ من التخفيف عنها في تجربتها الأولى، أو ربما غضّ النظر. لكن، في المنطق اللبناني، وفي بلدٍ أصبح "النُكات" فيه نوعًا من "التعويض" لسوء حاله، من الجدير أن يلتمس اللبنانيون لأنفسهم عُذرًا، حين يحوّلون أحدهم مادةً دسمةً للسخرية.

لكنّ حادثة الطبش الأخيرة، التي أعلنت على إثرها استنكارها لما اعتبرته تحاملًا عليها، يفتح النقاش حول نوعية العلاقة التي تربط تيّار المستقبل رئيسًا ونوابًا، مع المملكة العربية السعودية، وانعكاس هذه العلاقة على الجماعة السنّية في لبنان.

"حجاج" السفارة
لعلّ أكثر ما يُجسد نوعية علاقة المستقبل بالسعودية في السلوك، هو ما تشهده السفارة السعودية. وإذا أردنا مقارنة حالتها مع بقيّة السفارات، قد نلحظ أنّها من أكثر السفارات التي تشهد وفود "الحجّ" إليها، في لبنان، وتحديدًا من قِبل "المستقبليين" ومن يدور في فلكهم. فشخصيات المستقبل، من نواب ووزاء وقياديين ومحلّلين و"إعلاميين" مقربين، لا يفوّتون فرصة زيارة السفارة، بشكلٍ دوري، والتقاط صورةٍ تذكارية مع السفير السعودي، وليد البخاري. قد يكون ذلك تفصيلًا صغيرًا لكن لا يخلو من عمق الدلالة. الواضح لدى نواب المستقبل وقياداته، أنّهم "ينتظمون" في إعلان المواقف الداعمة لـ"مملكة الخير". وغالبًا ما يكون مضمون المواقف ضربًا من المبالغة الفاقعة، حين يفيض بكلام التعظيم والتمجيد والتأكيد على الولاء. أكثر من ذلك. ثمّة ما يوحي أنّ المستقبليين، و"الإعلاميين" المقربين، يخوضون منافسة صامتة فيما بينهم، عبر تقديم "أوراق الاعتماد" بمواقف داعمة للمملكة. وهو ما يبرره منطقيًا، ذهنية "الإطاحة"، التي تقوم عليها سياسة الحكم السعودي، في التعاطي الداخلي والخارجي، مع الشركاء والحلفاء والأتباع. ورغم أنّ تبرير ذلك يضعه المستقبليون في خانة وجوب شكر المملكة على خيرها في لبنان، إلّا أنّ السؤال الجوهري: هل تطلب منهم السعودية مديحها بهذا الشكل؟ أم أنّهم يبادرون من تلقاء أنفسهم، كنوعٍ من فروض "الطاعة" الملكيّة؟

من الحريري الأبّ إلى الإبن
طبيعة العلاقة التي تربط تيار المستقبل مع السعودية، تعود جذورها إلى التحوّلات المفصلية التي طرأت على علاقة لبنان بالسعودية، منذ وصول رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري إلى سدّة الحكم، بعد اتفاق الطائف، والذي جاء ثمرة اتفاق سعودي – سوري (ودولي) حول لبنان في العام 1989، أخذ شكل التسوية. وإذا كان الحريري الأب، حامل الجنسيتين، رسّخ مشهد السنيّة السياسية في لبنان، واستطاع تجسيد العلاقة كزعيم لبناني يحظى بدعم سعودي وثقة تامة به، بل وكراع لطائفته في المشرق العربي، وبإجماعٍ إقليمي.

لكنّ التسوية السورية - السعودية أُجهضت، في محطات متلاحقة. أولى هذه المحطات، كانت بوصول قائد الجيش إميل لحود لرئاسة الجمهورية، في العام 1998، وما تبعها من تدهور العلاقة السورية مع الحريري، وانعكاسها على العلاقة مع السعودية.

رفيق الحريري، الذي استطاع أن يمتدّ تأثير نفوذه على كامل المعاقل الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، وأن يؤسس هيكل بنيوي موحد للطائفة السنيّة داخليًا، يقوم على قوة زعامته الشخصية، عبر تكريس حالة من "السنيّة السياسية" التقدميّة.. لا تشبه علاقته مع السعودية علاقة ابنه سعد معها. ذلك أنّ تجربة السعودية الكاملة مع رفيق الحريري، ظهرت كأنّها تقتصر على التأييد والدعم المعنوي الدائم له، وباعتماد مبدأ التفويض التام في الملفات الداخلية، بل وحتى الاعتماد عليه في بعض العلاقات الدولية (فرنسا مثلاً). لكن اغتيال الحريري في العام 2005، الذي أطاح بمشروعه ورهاناته، وجاء بعد لحظة مفصلية في المنطقة، مع اندلاع حرب العراق في العام 2003، حوّل منطق العلاقة السعودية مع نجله سعد الحريري إثر استلامه للزعامة، إلى نوعٍ من التوجيه الأبوي كأنها "وصاية على قاصر"، إن صح التعبير.

حادثة 2017
ثمّة من يربط تحوّل العلاقة السعودية مع الحريرية في لبنان، بتحولات المنطقة، التي كان لبنان جزءًا من اضطراباتها. وكان تأجج الخلاف السني – الشيعي في لبنان منذ العام 2005، ومن ثمّ تصاعد حدّة النزعات المذهبية، مع اندلاع الحرب السورية  في العام 2011.. فرض سياسةً سعودية جديدة تجاه الحريري، والأدوار التي تريد له أن يلعبها، في معركتها مع إيران والنظام السوري وحليفهما المحلي حزب الله.

ذروة تجلي شكل العلاقة اللبنانية – السعودية على المستوى الرسمي، ومع الحريري، ومن ورائه قيادات المستقبل، ومع جمهوره السّني تحديدًا، ظهر أخيرًا في العام 2017، بالطريقة التي أجبر فيها الحريري على تقديم استقالته من الرياض، كخطوة تصعيدية في مواجهة إيران وحزب الله. ولعلّ أكثر ما يترجم مضمون علاقة الحريري الإبن بالسعودية، والتي لا تتسم لا بالندّية ولا بالتعاطي وفق منطق الحلفاء، تلك الجملة الشهيرة التي جاءت على لسان وزير الداخلية نهاد المشنوق، ردًا على احتمال "تعيين" بهاء شقيق سعد بدلًا منه: " لسنا قطيع غنم.. وتحكمنا انتخابات لا مبايعات".

وفي مقارنةٍ بسيطة نرى في المقابل العلاقة التي تربط الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله مع إيران، طالما أنّ السعودية وإيران هما القوتان الكبيرتان اللتان تقودان الحرب الباردة، طائفيًا وعسكريًا في الشرق الأوسط. نجد أنّ ثمة اختلافًا كبيرًا بتعاطي كلّ قوّة مع ممثلي مشروعها. فإيران، تتعاطى مع نصرالله وفق منطق العلاقة العضوية، وبوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة السياسة الإيرانية في المنطقة، ويقفون عند رأيه بسبب وحدة المشروع. كما أنّ الإيرانيين وقياداتهم، يتعاطون مع نصرالله، وشخصيات أخرى مثل عماد مغنية ومصطفى بدرالدين، بوصفهم شخصيات لها قدسيتها، ولكونهم جزءاً من الثورة الإيرانية. ولعلّ مشهد اللقاء الذي جمع نصر الله مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وبشار الأسد، في دمشق في العام 2010، عكس شكل العلاقة النديّة مع نصرالله، أو ربما عَكَس تفوقه على نجادي نفسه، وهو ما يؤكده الإمام السيد علي الخامنئي بقوله: "السيد حسن نصرالله تحوّل إلى الزعيم الأحب إلى قلوب كل شعوب العالم".

عمليًا، إذا بدا الخضوع لإملاءات الخارج وجهًا آخراً للاستقواء به، فكيف إذا اجتمعت التبعيّة بالإفتقار إلى حسن الإخراج؟ في واقع الحال، لا يمكن فصل تحوّل شكل العلاقة السعودية من الحريري الأبّ إلى الحريري الإبن، من دون ملاحظة تحوّل "النظام الجديد" في الرياض. ولمّا أصبحت مواجهة النفوذ الإيراني متعذرة، نتيجة بقاء الأسد وعوامل إقليمية أخرى، إضافة إلى التعاطي مع الحريري بوصفه مواطنًا سعوديًا في المملكة، كما شركته "سعودي أوجيه"، كان لذلك ترجمته بالعلاقة مع الحريري والمستقبليين، الذين وجدوا أنفسهم في موقع "استجداء" بركة الرضا السعودي. وهذه هي الهزيمة بعينها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها