آخر تحديث:00:05(بيروت)
الأحد 30/12/2018
share

"العودة" العربية (واللبنانية) إلى الأسد أو المهزلة المرتقبة

منير الربيع | الأحد 30/12/2018
شارك المقال :
  • 0

"العودة" العربية (واللبنانية) إلى الأسد أو المهزلة المرتقبة اختبر اللبنانيون السياسات السورية على نحو مرير وعنيف لعقود طويلة (Getty)
أولى الإنكسارات العربية بوجه النظام السوري، كانت الهزيمة المدوية في لبنان في العام 2009. استفاق سعد الحريري على نفسه في دمشق، تحت عنوان مبادرة "س - س". خسر الحريري يومها بدفع خليجي، كل مسوغاته السياسية. اعتبرت القوى المعوّمة لبشار الأسد يومها، أن "الخيار الإستراتيجي" أهم من الاعتبارات الوطنية أو الأخلاقية. أُدخل لبنان في سياق تكتيكي قائم على الأوهام وكتفصيل جديد في الجيبة السورية. إذ كان الشعار الخليجي يومها وتكتيكه: عفا الله عما مضى، وربما المبادرة والإنفتاح على بشار الأسد تبعده عن الحضن الإيراني. ما هي إلا أشهر قليلة، حتى تبيّن الخيط الأسود من الأبيض. انقلاب قوى 8 آذار (السورية - الإيرانية) على الحريري، وخسارته كل شيء. وتراجع لبنان من التوازن السياسي إلى الهزيمة، بمواجهة إيران وسوريا.

تكرار تجربة المجرَّب
كانت هذه الهزيمة يومها، نتاج ضياع لبناني، وانعدام وجود رؤية سياسية محلية أو عربية لسدّ فراغ خروج النظام السوري من لبنان، الذي وقع كاملاً تحت السيطرة الإيرانية وخضع كلياً لنفوذ حزب الله. اسُتكمل هذا المسار طوال سنوات الثورة السورية، حين انشغل النظام بالداخل السوري، وهمّ الحزب وإيران لنجدته. في الموازاة كان لبنان جائزة كبرى تكسبها إيران وحزب الله.

على نحو مشابه، تشهد سوريا اليوم ما شهده لبنان في تلك الفترة. تبرير عربي لإعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، وفق رؤية غير مبنية على أي ارتكاز أو أساس سياسي أو استراتيجي. تبرير يكتفي فقط بإدعاء العودة إلى دمشق، و"إعادة النظام إلى الحضن العربي"، لتثبيت "عروبة سوريا في مواجهة إيران". إنها العودة المتأخرة منذ ثماني سنوات. أي حين تُركت سوريا ملعباً وحديقة خلفية لطهران، التي حققت فيها كل ما أرادته، من فرز ديمغرافي، وتقسيم جغرافي وسياسي ومذهبي. بحيث أصبح من المستحيل الخروج من الحدود الجغرافية التي رسمتها إيران، بتواطؤ دولي وإسرائيلي، على أساس الفرز البشري. قسّمت إيران والقوى الأخرى سوريا على غرار ما قسّمت إتفاقية سايكس بيكو المنطقة العربية.

سوريا الحزبلاهية
ليس ادعاء "مواجهة" النفوذ الإيراني، أكثر من حملة دعائية جديدة، لتبرير ضرب آخر معاقل الربيع العربي. وفق مقاربة غير واقعية لحقيقة الوضع السوري على الأرض، ولما أسست له إيران طوال السنوات السابقة. لم يقتصر الفعل الإيراني مع النظام على تهجير نصف مكونات الشعب السوري، وحصر الملايين منهم في المنطقة الشمالية، لا بل تقابل مع عملية تجنيس كبيرة لإيرانيين، وأفغان، وعراقيين ولبنانيين (كلهم من هوية مذهبية واحدة)، وتم "توطينهم" في نقاط حساسة ومفصلية على الخريطة السورية. كل ذلك كان يحدث، مقابل إدعاءات عربية وغربية بأنه لا بد لإيران أن تنسحب من سوريا.

نتائج المعادلة المستقبلية ستكون مختلفة، بحيث لو انسحبت القوات الإيرانية وقوات حزب الله من سوريا، سيبقى لإيران قواتها المحلية السورية، ولحزب الله السوري وجوده وتأثيره من الجنوب السوري إلى حمص ودمشق ومحيطها. وهؤلاء سيكونون عبارة عن نموذج جديد لحزب الله اللبناني، في الداخل السوري هذه المرّة. وسيشكلون قوة عسكرية إيرانية، تكون قادرة على فرض معادلاتها السياسية والسكانية، بما يتلاءم مع الأهداف الاستراتيجية لإيران.

الانتقام الأسدي
منذ أشهر، لا يتوانى رئيس النظام السوري بشار الأسد عن السؤال عن الوضع في لبنان. يقول لمن يلتقيه بأن لحظة الإنتقام قد دنت. لا يبارح الإدعاء بأن موعد استعادة نفوذه في لبنان قد أصبحت قريبة، وحينها سيطلب الإذن من حزب الله، للإفساح له بإعادة اعتباره. وهو ينطلق من مؤشر أساسي يتعلّق بعودة الإنفتاح العربي تجاهه. هذا ما سيستثمره من جديد لضرب لبنان بقبضته. وليس وضع الحريري، وجنبلاط وجعجع وغيرهم من اللبنانيين على لوائح تمويل الإرهاب، سوى مقدّمة تؤشر لما ستكون عليه الحالة في المرحلة المقبلة

 بمعزل عن كل الشعارات المرفوعة لتبرير العودة إلى سوريا، أو الأصح إعادة تعويم الأسد، الكلام في النهاية سيكون للممسك والمسيطر ميدانياً. وهؤلاء أطراف معروفة ومحددة. لإيران حصتها الجغرافية والسياسية والتجنيسية. لتركيا منطقتها، للإسرائيلي مجاله الحيوي، هؤلاء على اختلافهم يرسمون خطوط نفوذهم تحت السقف الروسي، صاحب الباع الأوسع على الجغرافيا السورية. دخول العرب إلى دمشق حالياً، يأتي في سياق إنعدام أي رؤية أو أفق، وليس التعاطي مع الأسد سوى تعبير عن عمق الأزمة العربية، التي تتلاقى مع عمق أزمة النظام، المستند إلى عصا إيرانية، وأخرى روسية، وثالثة إسرائيلية ومن يدور في فلكها.

ضرب من خيال 
إدعاء العودة إلى دمشق بهدف مواجهة النفوذين الإيراني والتركي، تبدو ضرباً من الخيال. الإقدام على قرارات من هذا النوع، ستدفع شرائح واسعة من الشعب السوري والمعارضة السورية إلى الحضن التركي، وهذا سيعزز وضع تركيا على الساحة السورية، أما إيران فإن النقاش حول مواجهتها، فيه شيء من تبرير ظروف العودة، استجابة للنداء الأميركي لدول الخليج حول المشاركة الخليجية في إعادة الإعمار، وما ينطوي ذلك على غاية أميركية، لعدم ترك ساحة قطاع المال والأعمال في سوريا بيد الروس والصينيين والإيرانيين.

ليس ما يجري إلا كالذاهب إلى الحج في موعد العودة منه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها