آخر تحديث:00:06(بيروت)
الأحد 30/12/2018
share

"التيار الوطني الحر": شعار التغيير يتبدد بمغانم المحاصصة

باسكال بطرس | الأحد 30/12/2018
شارك المقال :
"التيار الوطني الحر": شعار التغيير يتبدد بمغانم المحاصصة تحوّل "التيار" إلى مجرد حزب، يدير الأزمة وفق مصالحه (Getty)
أكثر من سنتين مضت من عهد الرئيس عون، كان لـ "التيار الوطني الحر" خلالها حصّة في وزارات حسّاسة، تتّصل مباشرة بمصالح اللبنانيين، إلا أنّ ذلك لم ينعكس إيجاباً على أداء وزراء التيار. لم يلمس المواطنون إنجازات سريعة وحلولا عمليّة.

انطلاقاً من هذا الواقع، كشفت أوساط التيار لـ"المدن"، الامتعاض العلني لرئيس تكتّل "لبنان القويّ" الوزير جبران باسيل، من "التقصير والأداء المتعثّر" لعددٍ من وزراء التكتّل من جهة، ومن التباين والتمرّد والخلافات الداخلية، التي تجاوزت الإطار الحزبي من جهة أخرى، محمّلاً هؤلاء مسؤوليّة زعزعة ثقة الناس بالعهد والحزب معاً.

العماد وصهره
تشرح مصادر قدامى التيار تحفّظت عن كشف هويتها، كيف "شكّل العماد عون عام 1990 حالة استثنائية، طارحاً نفسه بديلاً عن التركيبة القائمة. ما أدى إلى التفاف عدد كبير من اللبنانيين حوله، وتعاطفهم معه. أما اليوم، وقد بات عون جزءاً من التركيبة الحالية، بعدما كان معارضاً شرساً لها، فقد اختلف الوضع تماماً. خابت آمال اللبنانيين  بالتغيير والإصلاح، بعدما تحوّل "التيار" إلى مجرد حزب، يدير أزمة من ضمن مجموعة مصالح، عوضاً عن بذل كل الجهود المطلوبة، لطرح التغيير البنيوي المنشود، في تركيبة هذه المزرعة التي نعيش فيها، وهو أمر مؤسف للغاية".

وفي حين تشدّد هذه المصادر "ما كانوا ليسمحوا للرئيس عون بالوصول إلى رئاسة الجمهورية، لولا سنّه المتقدّم، ولولا قناعتهم بأن أداء باسيل لا يشبه أداء عمه على الإطلاق"، تحمّل المصادر عون نفسه "مسؤولية كل ما يجري داخل التيار وخارجه.. فيما كانت أصابع الاتهام توجّه دائما إلى الوزير باسيل. فلا شيء يمكن أن يحصل من دون علم الرئيس وبركته. وهو الذي سمح لصهره باسيل بأن يسترسل في مغامراته، خصوصاً بعد قراره توريث رصيده وحالته الشعبية إلى باسيل". وتلفت المصادر إلى "شرط أساسي يجب أن يتوفّر لدى باسيل في ظل تركيبة البلد، ألا وهو أن يكون لاعباً أساسياً على الساحة المسيحية، فيتبنّى قضية معينة دفاعاً عن حقوق المسيحيين". إلا أنّ لعب هذا الدور دونه عقبات، ما يضطر الرئيس إلى مداراة مصالح التركيبة القائمة، حتى يكون جزءاً منها". وتؤكد المصادر أن " كل حالة الفلترة التي فرضها باسيل على التيار، والتي دفعتنا إلى التخلّي عنه، لم تكن عن خطأ، بل عن سابق تصور وتصميم، وبموافقة العماد عون".

تنتقد المصادر أن يكون التيار اليوم محاطا برجال الأعمال: "فهذا خطأ استراتيجي. ولكن ليس في حسابات باسيل، الحريص على ولاء هؤلاء المطلق، خصوصا أن الدور الذي سيلعبونه، ينالونه من باسيل وليس من خلال حيثيّتهم الخاصة".

تضيف: "اليوم يراهن باسيل كثيرا على الحكومة المقبلة. وهو يسعى من خلالها إلى تشكيل فريق عمل رئاسي، تمهيدا للانتخابات الرئاسية المقبلة. إنها فرصته الذهبية التي قد لا تتكرر: فإما أن يتبوأ سدّة رئاسة الجمهورية خلفا لعمّه، وإما أن يبقى زعيما في البترون، حتى إشعار آخر".

النهج السلطوي والإنفصال
ينتقد كثيرون تراجع الوزارات والإدارات التي استلمها وزراء "التيار الوطني الحر" في العهد الرئاسي لمؤسسه العماد ميشال عون، لجهة الأداء وتفاقم حجم المشاكل، لاسيما في القضايا الحياتية والخدماتية والإنمائية، كالنفايات والكهرباء والمياه، الإقتصاد والفساد والعدل، متّهمين المعنيّين بسوء استخدام السّلطة عبر المحسوبيّات والتوظيف العشوائي خدمةً لمصالح إنتخابية.

هذا الواقع، بالإضافة إلى الوضع الداخلي المتأزم للتيار، دفع بالقيادي السابق في التيار المحامي أنطوان نصرالله، إلى جانب عدد كبير من العونيّين القياديّين والكوادر المناضلين، إلى الانفصال عن التيار اعتراضاً على ما آلت إليه الأمور "نتيجة النهج السلطوي الذي يعتمده الوزير باسيل في ادارته لشؤون التيار والبلد، والذي أساء للتيار كما تسبّب لـ "العهد القوي" بإحراج كان بغنى عنه، علّ وعسى أن يتصالح التيار مع مبادئه وشعاراته". ينتقد نصرالله اليوم ما وصفه بـ"فشل التيار في تحقيق الحدّ الأدنى من رؤيته ووعوده بالتغيير والاصلاح، ليصبح شبيها بمختلف الأحزاب على الساحة اللبنانية، يتصرّف تماما كما يتصّرفون، بعدما كان قد شكّل منذ تأسيسه، حالة نضالية ثورية تغييرية".

يغيب عن ذهن نصرالله أيّة إنجازات يحفل بها التيار، "حتى أنّ الوزير باسيل نفسه لم يخفِ في منتصف العهد نيّته إقصاء وزراء التكتل واستبدالهم بآخرين أكثر كفاءة"، ويذكر نصرالله في المقابل، محطّات إخفاقات كبيرة للتيار، في مقدّمها ترسيخ منطق المحاصصة السياسية، بعدما كان التيار والعهد من أول الداعين إلى إلغائها حفاظاً على لبنان الواحد. وعليه، ارتبطت معظم التعيينات بتوزيع الحصص بين الفرقاء السياسيين، بدلا من الاعتماد على منطق الكفاءة فقط.

إلى ذلك، لا يزال ملف الكهرباء متأزّماً وعصيّاً على الحلّ على رغم كل وعود وزراء التيار بتأمين الكهرباء 24/24. ويسأل: " لماذا لم يطبّق القانون رقم 181 الصادر عن مجلس النواب، والذي يفترض على أساسه تأمين 750 ميغاوات إضافية؟ ما مصير الاعتماد الذي خصّص له؟ كيف صرفت أمواله؟"

يضيف: "وماذا عن القانون 462 /2002 المتعلق بتشكيل هيئة ناظمة للكهرباء؟ لماذا يعرقلونه ويرفضون تطبيقه لتأمين الكهرباء؟"

يقول نصرالله: "يجب أن يعود التيار إلى النبع، ووقف البهلوانيات الإعلامية. ماذا فعلوا لمحاربة الفساد؟ فليسموا لي إنجازاً واحداً قام به وزير الاقتصاد أو وزير الكهرباء. من يمنعهم؟ فليعلنوا لنا من يمنعهم. إذا كان بري هو من يمنعهم، فلا يجب على باسيل أن يجلس معه ويقول انه رجل حكمة. والأمر نفسه ينطبق أيضا على الحريري".

الإنجاز والإخفاق
من جهته، لا ينفي نائب "لبنان القوي" آلان عون أنّ "أمورا كثيرة لم تنجز بعد، على الرغم من كل الإرادة الحسنة، والجهد المبذول. غير أنّ ذلك لا يلغي دور التيار كمحرّك أساسيّ في الساحة المحلية، وفي الإدارات التي استلمها. فلا شك أنّه أحرز تقدّماً في بعض منها، تماما كما لم ينجح بتحقيق إنجازات في البعض الآخر".

من أبرز انجازات العهد العوني والتيار، وفق عون: "إقرار الموازنة بعد مرور اثني عشر عاما على غيابها، وذلك بفضل الأداء والجهد الجبّار الذي قامت به لجنة المال والموازنة البرلمانية على صعيد ماليّة الدولة والموازنة. وأيضا إقرار الحكومة التشكيلات القضائية والديبلوماسية، وإعادة تفعيل الإدارات والمؤسسات الأمنية، بعد ترهّل أصابها لسنوات، ما انعكس أداء مختلفاً في هذه المؤسسات. فضلا عن إنجاز قانون جديد للانتخابات، وملفات أخرى في مجلس النواب".

ويلحظ عون "الأداء المميّز لوزارة الخارجية اليوم، لجهة تعزيز روابط المغتربين بالداخل اللبناني، لا سيما من خلال تفعيل اقتراع المغتربين وسائر النشاطات التي تنظّم في هذا السياق".

أما في وزارة الاقتصاد، فيشير عون إلى "خطة ماكنزي التي وضعت رؤية اقتصادية للحكومة الجديدة، من دون أن ننسى الجهد والضغط الذي يبذل مؤخرا على أصحاب المولدات الكهربائية في محاولة لتخفيف الأعباء الإضافية عن كاهل المواطن".

 غير أنّ ما يضعه عون في مصاف الانجازات، يدحضه نصرالله ويصنّفه في خانة الإخفاق والفشل، سائلاً: "كيف يمكن لنا أن نتباهى ونعتبر إقرار الموازنة إنجازا، في وقت لا يزال قطع الحساب غائبا، علماً أنّ التيار، ولا أحد سواه، هو من عطّل الموازنة في الفترة الماضية لفرض قطع الحساب؟" وإذ يؤكد "استحالة اعتبار إقرار الموازنة بمثابة الإنجاز، لأنّها من مهام مجلس النواب أصلا"، يشدّد عون على أنّ "هذه الموازنة هي أسوأ موازنة طرحت في لبنان، بدليل الأزمة الاقتصادية المالية التي نعاني منها اليوم".

وإذ يدعو النواب "ألا يكونوا شهود زور بعد اليوم"، يسأل نصرالله "لطالما عارض التيار التعدّي على الأملاك العامّة، فكيف يمكن لوزراء التيار، التوقيع على مشروعين بحريّين يشكّلان تعدّياً صارخاً على الأملاك البحرية، أسوة بسائر الوزراء، فيما تاريخ التيار يشهد على محاربته التعديات على الأملاك العامة، وخاصة البحرية منها؟

أما بالنسبة إلى قانون الانتخاب الذي أنجز على أساس النسبية، فيسأل نصرالله: "هل تحتّم النسبية على التيار التحالف الانتخابي مع أفراد لا يشبهونه على الإطلاق؟ وهل راجع التيار الأرقام التي حصدها حصيلة الانتخابات؟ وهل يعلم سبب تراجعه بمعدّل 12 الف صوت في مناطق معينة و10 آلاف صوت في أخرى؟ ولمَ لم يؤخذ بنتائج الاستفتاء الذي أجري في المناطق، تمهيدا لاختيار المرشحين على أساسه؟". يستطرد: "هل يُسمح لأعضاء المكتب السياسي في التيار بالتعبير عن آرائهم أم أنّ دورهم يقتصر فقط على إطاعة أوامر الوزير باسيل؟"

حركة تغيير
"للأسف، يتابع نصرالله، لم يعد التيار يشبه أو يجسد أحلامنا! الجميع يتحمّل مسؤولية الحال التي وصلنا إليها من تشاؤم، إن لم نقل إحباط، يصيب جميع اللبنانيين، نتيجة الأداء السيء للنواب وسكوتهم حيال ما يحدث"، لافتاً إلى أنّ "ما نشهده اليوم في لبنان، لم نعهده سابقا، حتى على عهد الوصاية السورية، وصولا إلى العام 2005 الذي شهد التفجيرات الإرهابية المريبة، فالعام 2006 واندلاع حرب تموز. وعلى رغم من كل هذه الظروف الصعبة، لم نفقد يوما الأمل بازدهار لبنان، في حين يحرص اليوم آلاف الشباب على الهجرة إلى الخارج بسبب فقدانهم الأمل بمستقبل أفضل".

في المقابل، يرفض النائب عون تحميل العهد والتيار مسؤولية ما يحصل في لبنان، نتيجة التراكمات والخلافات، التي هي وليدة نظام البلد القائم على فيديرالية الطوائف بامتياز، وهو ما يجعل المحاصصة شرّا لا بدّ منه في الوقت الراهن".

وبغضّ النظر عن الاتهامات السياسية للتيار بالفساد، يشدد عون على "ضرورة توثيق وإقران أي اتهام موثّق، بإثبات دامغ، يسمح بمحاسبة المعنيّين قضائيا. فلا نكون شهود زور"، مؤكدا "حرص التيار والعهد على رفع الغطاء عن كلّ شخص يثبت أنه فاسد".

وإذ يقرّ بتقصير التكتّل في إيجاد حلّ لعدد من الملفات الأساسية، يرى عون أنّ "ملفات عدّة منها شهدت تقدّماً ملموسا، كملف الكهرباء على سبيل المثال لا الحصر، إلا أنّ المشاكل السياسية حالت دون تنفيذ الخطط المحدّدة والتوصّل إلى حلّ نهائي له. والأمر سيّان بالنسبة إلى خطة السّدود، والبنى التحتية المتعلّقة بالصّرف الصحي وغيرها من المشاريع". وهنا يؤكد عون أنّ "التيار لا يمانع تحمّل مسؤولية إخفاقاته في حال وقعت، فالاعترف بالخطأ فضيلة، وجُلّ من لا يُخطىء"، مجدّداً التأكيد: "كان للتيار عمليّاً، شرف المحاولة، وشرف الانجاز في أكثر من ملف".

هي "حركة بلا بركة"، وفق نصرالله وقدامى التيار. فـ"عندما يصل العماد عون إلى سدّة الرئاسة من دون أن نشهد أيّ تغيير يذكر، وعندما نراقب أداء نواب التيار والتكتل ووزرائه، والذي لا يميّزهم عن سائر نواب المجلس، يُفقد الأمل وتكبر الخيبة أكثر فأكثر".

يكشف نصرالله: "إنّ مساعي كبيرة تُبذل اليوم، للدعوة إلى تحرّك كبير وخلق حالة ثورية تغييرية، لا بدّ وأن تشكّل خيارا جديدا أمام اللبنانيين، وخصوصا لأولئك الذين اختاروا عدم المشاركة في الانتخابات الأخيرة، اعتراضاً على الوضع القائم، والذين يمثّلون 52 في المئة من الشعب اللبناني، الذين لم يتردّدوا في انتخابات العام 2009 للتعبيرعن رأيهم والإدلاء بأصواتهم".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها