آخر تحديث:00:43(بيروت)
الجمعة 14/12/2018
share

بين فتح وحماس: عصبية الانتماء إلى المخيم أقوى

أحمد الحاج علي | الجمعة 14/12/2018
شارك المقال :
بين فتح وحماس: عصبية الانتماء إلى المخيم أقوى لم تنتقل الصراعات العسكرية بين فتح وحماس من غزة والضفة إلى مخيمات لبنان (Getty)

عام 1986 يُرسل عبد الحليم خدّام، نائب الرئيس السوري وقتذاك، بصورة مستعجلة، بطلب لقاء قادة ما كان يُعرف بـ "جبهة الإنقاذ". يعاتبهم أبو جمال، بطريقته المعروفة. العبارة التي حفظها كل الحاضرين هي "منذ عامين وأنتم ترسلون قوات فلسطينية من سوريا لقتال عرفات في لبنان. وعِند ما يصيروا ببيروت، بيتحوّلوا عرفاتيين". بعد عامين اضطرت القوات السورية للتدخل المباشر لإخراج جناح فتح الموالي لعرفات من مخيمات بيروت.

ثلاث هويات
صدمة خدّام ربّما لم تكن، لو كان واعياً للعوامل العائلية والهوية المحلية، التي اندمج فيها القادمون الجدد. فأبناء فتح الانتفاضة، وبعد أشهر من قدومهم، إلى مخيمات بيروت، صاهر كثيرون منهم عائلات من المخيمات. ونتيجة الحصار المفروض، نما لديهم الإحساس بالانتماء إلى الجغرافيا المحلية. ثلاث هويات وانتماءات: العائلية، والهوية السياسية، والانتماء الجغرافي، يُضاف إليها الولاء القروي. وهذه كلها تطوّرت نتيجة عوامل تاريخية واجتماعية مختلفة.

مناسبة سرد القصة، هي زيارة وفد من كتلة حماس التشريعية إلى لبنان، وحديث صحافي عن وراثة حماس لفتح في لبنان. في البداية، يشير مصدر في حماس لـ "المدن" أنه "لا محاولة لوراثة أي فصيل لآخر. ولا يمكن لأي تنظيم أن يُلغي الآخر. والأزمات الاجتماعية التي تعيشها مخيماتنا، كفيلة بأن تجمع الكل الفلسطيني، بعيداً عن أي فروقات سياسية. وهذا ما يتفق الجميع عليه. وزيارة الوفد صادفت في هذا التوقيت، لأن السماح بالمغادرة لم يأت إلاّ مؤخراً، وبالتالي لا يحمل التوقيت أي مغزى سياسي".

القروية والحزبية
الناظر للمخيمات الفلسطينية من بعيد، ربّما يظن أن القضايا السياسية هي الناظم الأول للعلاقات بين الفصائل في المخيم. لكن الدخول في تفاصيل الحياة اليومية، ونظرة إلى التاريخ الفلسطيني في كل مخيم، تقود إلى اكتشاف انتماءات وهويات فرعية ناظمة تشكلت عبر زمن.

وإذا ما أخذنا مخيم برج البراجنة، في بيروت، مثالاً، حيث إن معظم سكانه ينحدرون من شمال فلسطين، ومن قضاء عكا. فقبل نكبة عام 1948 كانت العصبية "العائلية" تتفوق على غيرها من العصبيات المحلية، وكان الصراع بين "الحسينية" و"النشاشيبية" في القدس وغيرها، له ما يماثله، أو يشبهه، في معظم القرى الفلسطينية. والمدينة لا تتجاوز، في أغلب الأحيان، أن تكون في نظر هؤلاء القرويين مكاناً لتصريف الإنتاج الزراعي، أو العمل في بعض منشآتها وموانئها الحديثة.

مع رحلة التهجير، بدأ الشعور بـ "القروية" يبرز أكثر فأكثر. فخلال طريق التهجير بمحطاته المختلفة كان وجهاء القرية يسعون إلى تجميع أهالي قرية المنشأ ومساعدتهم. فعندما استقر أهل "ترشيحا" في مخيم برج البراجنة، أرسلوا بطلب أقاربهم الذين لا يزالون منتشرين في بعض القرى الجنوبية، خصوصاً قرية "قانا"، ولم يتردد هؤلاء بالقدوم تباعاً. ولم يترددوا بإرسال الرسل والرسائل إلى أهل قريتهم في مدينة حلب، طالبين منهم المجيء إلى المخيم. وهكذا فعل علي قاسم عطعوط (كويكات)، وعلي قدورة (الكابري)، ومحمد الأسعد (شعب). وصار لكل أهل قرية حيّهم، المعروف باسم قريتهم.

عام 1954، دخل وافد جديد. ففي ذلك العام أدخل زهير بكير حزب "البعث" إلى المخيم، وهو الذي قتل عربٌ جدَّه التركي بدوافع قومية أثناء محاولته مغادرة عكا. في العام نفسه، جاء أبو ماهر اليماني لإدارة مدرسة المخيم. وشرع بعدها بضم شباب كثر إلى "حركة القوميين العرب". وفي الفترة نفسها تقريباً كان الحزب السوري القومي الاجتماعي ينتشر تنظيمياً بين مثقفين في المخيم، يتزعمهم محمد راغب قبلاي، الذي قُتل برصاص الأمن اللبناني أوائل عام 1962، بعد أيام من محاولة انقلاب فاشلة نفذها الحزب السوري القومي الاجتماعي.

كل ذللك لم يؤثّر كثيراً في قوة العصبية القروية، حتى أن الزواج المختلط بين أهالي القرى لم يتم بشكل واسع سوى مع بداية الستينيات. وقبل ذلك، كان أهل العروس المفترضة يرفضون تزويجها لشخص من قرية أخرى، خوفاً من أنه حينما يحين وقت العودة، فإن ابنتهم سوف تعيش في قرية غير قريتهم.

الروابط الجديدة
في النصف الثاني من الستينيات بدأت الأمور تفلت نسبياً من أيدي وجهاء القرى، من دون أن تلغي دورهم. فعام 1966 سمع زعيم قرية "كويكات" عمر شحادة، بانتساب بعض شباب قريته إلى الأحزاب الناشئة، فدعا للقاء في بيته. جمع وجهاء القرية ومعظم شبابها. خيّرهم فيها إما أن ينضموا جميعاً إلى منظمة التحرير الفلسطينية الحديثة النشأة، أو البقاء على الولاء للهيئة العربية العليا "حتى لا ينشطر أهالي القرية بين الأطراف"، فاختار المجتمعون الاستمرار بالولاء للحاج أمين الحسيني والهيئة العربية العليا حتى عام 1970.

بعد عام 1969 نشأت في كل المخيمات، ومنهم مخيم برج البراجنة، لجان شعبية. ويُلاحظ أن النظام الداخلي لهذه اللجان، يركز اهتماماته على قضايا تهم المخيم، والعمل الوطني، مثل: العناية بالشؤون الاجتماعية والصحية والتعليمية، والعلاقة مع الجوار، وتثقيف الجماهير. كذلك لم يُشر النظام الداخلي، عند ذكر شكل اللجنة وتركيبتها، إلى أي توازنات قروية أو عائلية، لكن عند تشكيل أول لجنة أُخذ هذا الجانب بعين الاعتبار نسبياً. إذن أصبح الحديث عن المصالح التي تجمع سكان المخيم في هذه البقعة الجغرافية يفوق الحديث عن أية روابط قروية.

يُضاف إلى عوامل بروز الهوية "المخيمية"، إذا جاز التعبير، الذاكرة الجماعية التي كلما امتدّت، كلما ضاعفت المشترك بين الساكنين على هذه البقعة الجغرافية، المسمّاة مخيم. وهذه الذاكرة زاخرة جداً بالأحداث، وأبرزها حرب المخيمات، وحصارها لحوالى خمسة أعوام، على ما يعنيه ذلك من انغلاق على الذات، وتقوية النزعات المحلية، التي غذتها أيضاً قوانين لبنانية، تمنع الفلسطيني من الاندماج.

يُضاف إلى ذلك أن الأحزاب التي كانت تضم الفلسطينيين واللبنانيين من قومية ويسارية لم يعد لها وجود تقريباً، والأندية الرياضية، في حالة مخيم البرج، المشكّلة من فلسطينيين ولبنانيين، إدارة ولاعبين، كنادي الشعلة وغيره في الستينيات، وفتيان البرج بعد ذلك، لم تعد موجودة هي أيضاً. كما أن الأحزاب الفلسطينية فقدت اهتمامها بانضمام غير فلسطينيين إليها، نتيجة خيارات سياسية اختلفت عن السابق.

عصبية المخيم
وفي المخيم هناك شبكة العلاقات الاجتماعية الواسعة بحيث إن الجميع يعرف الجميع تقريباً. هذه الشبكة توفر شكلاً من أشكال الشعور بالأمان الضروري والذي يحتاجه الناس. فمثلاً المشاركة في سرادق عزاء في المخيم لا تحتّمها معرفة بالمتُوفى أو بأهله بل هو "واجب لأنه ابن مخيمنا". هذه الجملة تتكرر كثيراً في المخيم، سواء بمناسبات الفرح أو الحزن، وكذلك عند وقوع أي عراك، فإن أهم العبارات التي تتكرر هي "عيب، إنتو أولاد مخيم".

هذا الشعور بالانتماء إلى هذه البقعة الجغرافية سمح بموقع اجتماعي متميز، لكثيرين ليسوا بفلسطينيين، أو منتمين للمذهب الغالب بين السكان. وهؤلاء يخوضون نضالاً مطلبياً مشتركاً مع بقية السكان، دون حساسية تُذكر.

إن ما جرى إيجازه سالفاً هو محاولة لفهم المجتمع الفلسطيني داخل المخيم، وهوياته، وللقول إن الانتماء السياسي أو حتى الوطني ليس انتماء وحيداً، بل هناك هويات نشأت وتطورت وتفرّعت. وهي التي منعت انفجار المخيمات رغم المأساة الاقتصادية والمآسي الاجتماعية. وقد يُقال إن ذلك لم يمنع من انفجار الوضع في مخيم عين الحلوة والمية ومية. نعم، لأن كثيراً من الاشتباكات في هذين المخيمات كانت لأسباب خارجية متصلة بموقعيهما. ومع ذلك، فإنه غالباً ما تكون الهدنة، أو منع اتساع المعارك، أو وقفها، لأسباب عائلية، أو قروية، أو الانتماء المشترك لحيّز جغرافي. وهذه العوامل بالذات تعيننا على الفهم، لماذا لم تنتقل الصراعات العسكرية بين فتح وحماس من غزة والضفة إلى مخيمات لبنان، ولماذا هو مبكر جداً الحديث عن وراثة فصيل لفصيل آخر في مخيمات لبنان.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها