آخر تحديث:00:09(بيروت)
السبت 03/11/2018
share

حزب الله: تشدد سياسي وتقشف مالي غير مسبوق

منير الربيع | السبت 03/11/2018
شارك المقال :
  • 0

حزب الله: تشدد سياسي وتقشف مالي غير مسبوق تلوّح إيران بتعطيل الحياة السياسية في لبنان (getty)

لا صوت يعلو فوق صوت العقوبات. إنها اللحظة المفصلية لمعرفة ما ستحمله العقوبات الأميركية على إيران وحزب الله من تداعيات إقليمية ومحلية. وعلى هذا الأساس، تجمّدت كل الإستحقاقات السياسية في لبنان، بعدما أدخلتها إيران كحلقة ضمن سلسلة مترابطة، لا يمكن تحرير عقدة واحدة منها قبل تدرّج الوضوح في الصورة. فبين القلق وعدمه تسير طهران على رؤوس الأصابع. وسماح الإدارة الأميركية لبعض الدول بشراء النفط الإيراني، يمثّل القليل من الإرتياح بالنسبة إلى الإيرانيين، وربما يتأملون المزيد خصوصاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اضطر للتراجع عن تهديده الجازم بأنه سيعمل على تصفير الواردات النفطية الإيرانية، ووافق على قرار إيجابي نسبياً تجاه إيران، بالسماح الجزئي بتصدير النفط، وإن كان ذلك سيخفّض نسبة صادراتها إلى ما يقارب النصف.

 

سياسة تبادل اللكمات

مع ذلك، لا يمكن لإيران التساهل في هذه المرحلة. التشدد واجب ما قبل التفاوض على كل الساحات الخاضعة لسيطرتها، ساحة بعد أخرى. وحسب ما تشير مصادر متابعة، فإن العقوبات، التي ستدخل مبدئياً حيّز التنفيذ خلال يومين، ستكون قاسية جداً. ليس هناك من تحديد واضح لمدى الإستهداف الذي سيصيب حزب الله حتى الآن، لكن من المتوقع أن تكون واسعة إلى حدّ بعيد. لذلك، ووفق وجهة نظر إيران وحزب الله، لا بد من تأجيل كل الإستحقاقات والقرارات الكبيرة، إلى حين جلاء الرؤية واستتباب الحقائق الجديدة، ومن بعدها يتم اتخاذ القرارات السياسية وغير السياسية المناسبة.

 

الأداء الإيراني واضح حالياً، وهو ربط الملفات ببعضها البعض، من عرقلة تشكيل الحكومة في لبنان، إلى تشجيع الحوثيين على تصلبهم العسكري والسياسي في اليمن، واستثمار ما سيصيب المملكة العربية السعودية على خلفية قضية الصحافي جمال خاشقجي، عدا عن تفعيل عمل التنظيمات الفلسطينية في غزة وغيرها، إضافة إلى أدوارها السياسية و"الميليشياوية" في العراق وداخل سوريا (على تخوم الجولان مثلا) وهذه الملفات كلّها مناط مصيرها ومسارها بسقف العقوبات وفاعليتها، وما الذي ستؤدي إليه. إنها لعبة "تبادل اللكمات".

 

حزب الله: بداية الفقر؟

بدأ حزب الله منذ فترة، باتخاذ إجراءات وقائية وتقشفية، لتخفيف أكبر قدر ممكن من نفقاته. فمثلاً، عمل على تجميد "المهمات" في مختلف القطاعات، ولا سيما في سوريا. أوقف المهمات العسكرية وغير العسكرية. أبقى فقط ما يحفظ وجوده الحيوي في نقاط أساسية وحساسة في الداخل السوري. لا يزال حزب الله على وجوده في دمشق وريفها، القلمون، دير الزور والبوكمال، وفي الجنوب السوري، وحلب. وهذه كلها عبارة عن نقاط عسكرية ثابتة، يناوب فيها عناصر الحزب من دون القيام بأي مهمات.

 

الحرص على هذا الوجود مصيري، ومن المستحيل أن يغادر الحزب هذه المواقع تحت أي ظرف من الظروف، لأن القوة لصاحب الميدان، ومن يغادره يغادر المعادلة.

 

ألف شقة ومكتب

في لبنان عمل الحزب على دمج قطاعات ببعضها البعض، بهدف التخفيف من الأعباء المالية، وهذا ينطبق على إقفال مكاتب وتقليص مساحات المكاتب الأخرى، أي وقف إيجارات العديد من الشقق والمكاتب والذي يصل إلى حوالى ألف شقة. وتنسحب الإجراءات أيضاً على بعض الخدمات التي كان يقدمها، وهذا دليل على أن ما سيأتي من عقوبات سيكون قاسياً وربما أشد من المتوقع.

 

لا شك أن هناك دورة مالية لدى حزب الله، غير مفهومة، وهي غير معروفة بشكل كامل لدى الأميركيين. قد يكشفون جزءاً منها ويسعون إلى بتره أو قطعه، ولكن لو كانوا يعرفون الدورة برمّتها، لكان قد تم إغلاقها بكاملها. وبينما يستمرّ حزب الله مع الإيرانيين بالبحث عن مخارج أخرى، يدركون - واقعياً- أن النجاة بالنسبة لهم تبقى معلّقة على حدوث تطور إيجابي في العلاقات الإيرانية الغربية.

 

وعلى الرغم من كل الإجراءات التقشفية المتخذة، إلا أن حزب الله حريص على عدم الإقتراب من رواتب عناصره والعاملين معه. لن يقدم الحزب على أي إجراء من شأنه أن يطال الرواتب، وتؤكد المصادر أن كل ما يقوم به لا يدلّ على عدم وجود أموال، بل هي إجراءات احترازية، تحسّباً لأي طارئ غير متوقع، يؤدي إلى إضعاف المخزون المالي. "المال متوفر إلى حدّ كبير، ولكن الأساس الآن لحسن إدارته، ولمنع انقطاعه"، يقول المصدر.

 

يقسم حزب الله إجراءاته، إلى مجموعة تدابير. التدبير رقم واحد، قضى بتوفير مصادر مالية أخرى. والتدبير الثاني كان الإجراءات الإحترازية، المتعلّقة بالتقشف والمتعلقة بالنفقات الزائدة بالمؤسسات والمهمات، والتي جرى تخفيفها وحصرها بالأمور الضرورية. أما التدبير الثالث فيتعلق بزيادة التقشف المالي على الشخصيات المقربة وعلى بعض الحلفاء وهوامش الخدمات والتقديمات في البيئات الحاضنة، فيما التدبير الرابع فيتعلّق بوقف التعاقد مع أشخاص جدد، وتجميد عملية الإنضمام إلى صفوفه ومؤسساته مرحلياً.


قلب الطاولة 

إنها مرحلة صعبة، لا بد من المرور فيها. يجزم حزب الله، بأنه سيخرج منها بأقل الخسائر وأضعف الآثار. هو يوقن أنها ستكون مؤقتة وإن كانت موجعة. بالنسبة إليه، وفي نهاية المطاف، هناك أمر واقع في المنطقة، لا يمكن لأحد أن يقفز فوقه. وهذه العقوبات المفروضة على إيران، ليست بهدف تحجيمها حقاً، ولا للقضاء على دورها، بل لجذبها إلى طاولة المفاوضات. من أجل ذلك، هي تمتلك أوراق عديدة، بدأت تلوّح باستخدامها، كتعطيل الحياة السياسية في لبنان، وربما إذا ما اقتضت الحاجة، ستكون قادرة على قلب الطاولة فيه، والاستحواذ عليه فعلاً، كي يرى الجميع مدى قوتها وفعاليتها. أوراقها الأخرى لن تلجأ إلى استخدامها فوراً، كتفجير الوضع في الجنوبين اللبناني والسوري، إلا إذا وصل الضغط إلى مرحلة لا يمكن احتماله.

 

بالمقابل، أي وقف للعمليات العسكرية في اليمن، حسب المطالبة الدولية الآن، سيريحها. وبالتالي سيكون ذلك مثالاً على نجاعة الصبر و"هدوء الأعصاب". هكذا، مجدداً، تراهن إيران على الوقت، على حكمة الانتظار بعناد، كما تراهن في الوقت نفسه على ما تملكه من أوراق وملفات، بما يقنع الجميع (أميركا وغيرها) حاجتهم إليها، لتثبيت الإستقرار، وعدم تفجير الأوضاع.

 

حال حزب الله من حال إيران، في زمن الضيق وفي زمن البحبوحة. ولذلك، سيكون شعاره: الصبر والانتظار.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها