آخر تحديث:00:09(بيروت)
الخميس 29/11/2018
share

تمام سلام لـ"المدن": ما يحدث تهديد للكيانية اللبنانية

منير الربيع | الخميس 29/11/2018
شارك المقال :
  • 0

تمام سلام لـ"المدن": ما يحدث تهديد للكيانية اللبنانية لبنان لا يحكم بمنطق العائلة المالكة. منطق يسعى أيضاً إلى التصويب على الدستور والطائف (علي علّوش)

حتى في اغترابه عنها، يُسكن المصيطبة معه وفي دواخله. منذ فترة، غادر الرئيس تمام سلام دارة آل سلام، مؤقتاً، إلى بناية شاهقة في شارع بلس. فهو يتمسّك بالبيت البيروتي القديم، حيث تجري عملية ترميمه، كأنما لمعاندة ومواجهة الأبراج السكنية التي تطوّقه، ولعلّ في تجديده يكسب خمسين سنة جديدة من الصمود.

 

لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ

لا يبدو الرئيس تمام على قدر من التأقلم مع مسكنه الجديد. يشتاق إلى المصيطبة، كما يحنّ إلى بيروت القديمة، التي لم يتبق منها شيئاً يذكر، سوى بعض أبنية متداعية، أو صابرة. الأحياء التي ألفها ومنطقته ترافقه هنا في مسكنه المؤقت. خلف مكتبه، لوحات لفنانين لبنانيين وأجانب، لبيروت وبعض القرى اللبنانية. أما في الصالون الكبير، فصورة بيت المصيطبة، التي رسمها محمد قدّورة، ولوحات أخرى له، موزّعة على الجدران، لجامع المصيطبة، وأبنية بيروتية تراثية عديدة، ومنها تحديداً أحياء عين المريسة، وقهوة الحاج داوود، التي أصبحت اليوم طريقاً إلى "الزيتونة باي".

وإن كان مرتاحاً في رأس بيروت، التي ينطقها بنبرة فخيمة مرفقة بضربة على الطاولة، إلا أنه يفضّل المنزل المستقّل على الشقق المعلّبة، حتى ولو كانت في بروج مشيدة. للبحرة رمزيتها، يسرد مستعيناً بخارطة من عشرينيات القرن الماضي لبيروت، وفيها منزل الأهل، والبيوتات البيروتية الأخرى في المنطقة المحيطة، لكلّ منزل بركته. تغيّرت معالم بيروت، لكنه يحفظها ويذكرها.

يروي يوم أصبح رئيساً للحكومة، وكيف تلقى سيلاً من نصائح لمغادرة بيت المصيطبة، باعتبارها "مطوّقة كلها، هي كما المنزل". أبى ورفض آنذاك، مفضّلا البقاء حيث نشأ، متمسكاً برمزية المنطقة، شعبيتها، تداخلها، على الرغم من التغير الديمغرافي والهوياتي الذي طرأ عليها.

 يأسف لما وصل إليه حال بيروت، أمام هجمة التجار والمقاولين والسماسرة، وفي ظل غياب سياسة وطنية لحماية التراث. يتذكّر أيام كان وزيراً للثقافة، حين رفض مئات الطلبات بهدم البيوت القديمة، لكن الضغوط كانت كبيرة من قبل المقاولين، وحينها جرى اللجوء إلى مجلس شورى الدولة للإستحصال على رخص لهدم القديم وتشييد الجديد. يروي، فارداً صورتين أرفقهما ببعضهما البعض للمصيطبة، يقارن القديم بالحديث، وكيف تغيّرت بيروت بين الخمسينيات واليوم.

 

خلفه، لوحات لنبيل طبارة، لبيروت المهدّمة في الثمانينيات، من سوق الطويلة، إلى العنتبلي. ومن شارع البطريرك الحويك، إلى التياترو الكبير. وأمامه لوحات لعمر الأنسي، تجسد خاناً بيروتياً قديماً وسط المدينة، وعرزال على رمال الرملة البيضاء. الفقدان التدريجي للجمالية العمرانية في بيروت، تلازم مع فقدان الروابط الإجتماعية، التي هدمتها الأبنية الشاهقة، ومعها بدأت بيروت تسقط تدريجياً، إجتماعياً وجغرافياً، بموازاة التلوّث الأخلاقي، الذي يستخدمه لوصف الفساد، وتجلّى مؤخراً بطوفان المجارير، وما استدعى ذلك من تقاذف للإتهامات، في مساع لبهرجة معالجة النتيجة وليس السبب، وليس أيضاً لوقف التجاوزات.

 

ثمن جرأة البيارتة وانفتاحهم

يستذكر سلام أحياء بيروت التي تغيّرت تماماً، وحملت معها تغيّراً ديمغرافياً. من خندق الغميق، إلى البسطة التحتا، زقاق البلاط، حيّ اللجا، الباشورة، وغيرها من الأحياء، أصبحت خالية تماماً من المنازل والعائلات البيروتية. لكنّه يعتبر أن بيروت هي الأقل تغيّراً من الناحية الديمغرافية والجغرافية، مقارنة مع الشام والقاهرة. صحيح أن البيارتة غادروا العاصمة إلى بشامون وعرمون، لكن مقابل مغادرة 100 ألف يبقى حوالى 400 ألف بيروتي في بيروت، وهذا إنجاز. ولذلك مسببات متعددة. أولها التراخي من قبل البيارتة، الذين عاشوا لسنوات على أمجاد قديمة وعزّ، دفعهم إلى الإسترخاء في مواجهة المدّ السكني إليها من خارجها. لكن ذلك يمكن أن يكون أيضاً مدعاة فخر لجرأة أهل بيروت، في فتح أبوابها أمام سكان المناطق الأخرى، هذا الانفتاح حتّم أن تكون بيروت هي العاصمة، التي تحتضن الجميع، وتحوي أهم الجامعات، على الرغم من الثمن الكبير الذي دفعته، وهو ذوبان هويتها القديمة.

 

يهوى تمام سلام السيارات القديمة، يضع مجسمات صغيرة لها على رفوف مكتبته، يحتفظ بأربع سيارات، ثلاث منها مرسيديس، 280 موديل 1969 كشف سوداء اللون، مرسيديس 230 نبيذية اللون موديل 1965، ومرسيديس 300 موديل 1960 اتخذت اسم أديناور. والسيارة الرابعة لينكون موديل العام 1955. يهوى التنزه فيها في شوارع بيروت، التي أصبحت بمعظمها مقفلة بالحواجز الأمنية والسواتر الإسمنتية، بذريعة الإجراءات الأمنية، ويقول: "أنا الوحيد الذي لم أقفل طريقاً أمام منزلي، ويوم توليت رئاسة الحكومة، عرض عليّ ضرب طوق أمني في محيط المنزل، فرفضت ذلك، ويومها طلبت من مسؤولي الأمن لديّ التنسيق مع مسؤول الأمن في حركة أمل وحزب الله في المنطقة، لحلّ أي مشكلة. لأنه لو حدث أي أمر، تكون المسؤولية ملقاة على عاتقهم، باعتبارهم قادرين على ضبط الوضع في المنطقة".

 

لعنة القانون الانتخابي

هناك أمر واقع لا يمكن التفلّت منه، حسب سلام، ومنه ينتقل إلى الحديث في السياسة وتطوراتها التي تفرضها الوقائع أيضاً، محلية كانت أم إقليمية. لدى سؤاله عما إذا كان سار بانتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، لو كان مكان الرئيس سعد الحريري، يضحك مجيباً بأنه ليس مكانه. ويقول لـ"المدن": كان لدى الرئيس الحريري ظروف أملت عليه هذا الخيار، وهو يرى أن من واجبه استكمال مسيرة والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والبلد مرّ بظروف صعبة، كما هو عانى من صعوبة هذه الظروف، وهذا ما ساهم في اتخاذه لهذا الخيار. والسياسة تفرض على الرجل السياسي في الكثير من الأحيان، اللجوء إلى مثل هذه الخيارات، بمعزل عما إذا ما كانت ناجحة أم فاشلة. ولا يمكن إغفال أن الحريري دفع الكثير من جراء هذا التنازل وهذا الخيار، لكنه كان يتعاطى بإيجابية في سبيل البلد".

هل كان الخيار ناجحاً أم فاشلاً؟ يجيب بأنه أمام تحديات كبيرة، والطريق لا يزال طويلاً، لكن الأمر المفصلي الذي كان له الأثر الأكبر، هو مماشاة الحريري القوى الأخرى في قانون الإنتخاب، بينما الأمور كانت واضحة منذ اليوم الأول، أن الإنعكاس السلبي لهذا القانون ستكون مفاعيله على الحريري وتيار المستقبل حصراً. يعتبر سلام أن الحريري يندفع من مبدأ إيجابيته، ولو كان ذلك على حساب مصلحته. وهنا تبرز معادن رجال الدولة الذين يتعاملون بتواضع وليس بفوقية وعنجهية.

يعيد مقارنة الحال بين الأمس واليوم. يوم كان للحريري تفوق نيابي من كتلة قوامها 34 نائباً، لم يمارس هذا التفوق في السياسة، بخلاف القوى المتفوقة بالأكثرية اليوم، وهذه الفوقية التي بدأت يوم أعلن "الجنرال قاسم سليماني عن الفوز في لبنان بأكثرية نيابية مؤلفة من 74 نائباً". يستغرب هذا الإدعاء في العلاقات بين الدول، ويراه أنه ممارسة للفوقية التي تنعكس اليوم في الأزمة المستحدثة أو المصطنعة لعقدة توزير سنة 8 آذار. وهذه نقطة من بين نقاط عديدة تدلّ على ممارسة الأكثرية، كعدم تمرير أي قرار في البلد من دون موافقتهم. وهذا يؤثر على الكيانية اللبنانية بكاملها.

 

عقدة الرئاسة أو العائلة المالكة

هل تخاف على الطائف؟ يجيب سلام بأن الطائف قائم، وسيبقى.. في ظل عدم وجود بديل منه، وعلى الرغم من الإستهداف المركّز عليه، عبر تكريس أعراف غريبة على الدستور والمؤسسات، كالجلسات التشريعية في ظل حكومة تصريف الأعمال، تحت مسمى تشريع الضرورة وغيرها.

وهنا يشير إلى إيجابية الحريري بالتنازل مرّة، ولكن لن يتنازل أكثر. وهذا لا ينفصل عن عقدة موجودة لدى رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه، بالسعي إلى استعادة صلاحيات يعتبرون أنها قد سحبت منهم، وهم يستندون في ذلك إلى منطق القوة، من "العهد القوي إلى تكتل لبنان القوي". فيما يرى سلام أن القوة تتجسد بالتواضع، والتوافق. وهنا يسجّل سلام ملاحظات عديدة على مسار تأليف الحكومة، كادعاء رئيس الجمهورية ببيان رسمي وضعه للمقاييس والمعايير في عملية التشكيل، معتبراً أن هذه ليست صلاحياته، وهي تهدف إلى إضعاف رئيس الحكومة، والحكومة معاً، بهدف السيطرة عليها. لافتاً إلى أن ما يجري يعتريه الكثير من الأخطاء، لأن لبنان لا يحكم بمنطق العائلة المالكة. منطق يسعى أيضاً إلى التصويب على الدستور والطائف، باعتبارهما غير صالحين. والرئيس سلام يبدي تخوفه من أن أي بديل عن الطائف سيكون المثالثة حتماً، بدلاً من المناصفة. ولكن هل هذه مصلحة الفريق المسيحي؟ في العمق كلّا، ولكن رئيس الجمهورية سبق له أن سار بخيارات مماثلة، ولو نتج عنها الضرر.

 

أوباما والحكومة

يرى سلام أن عقدة النواب السنة مصطنعة لحسابات إقليمية ودولية، ويستذكر يوم كان بصدد تشكيل الحكومته التي احتاجت إلى شهر واحد عملياً لتشكيلها، لكن التعطيل استمر لعشرة أشهر، وذلك بانتظار المفاوضات الأميركية الإيرانية على الإتفاق النووي، في تلك الفترة:" اتخذ السيد حسن نصر الله موقفاً رافضاً لمبدأ الثلاث ثمانات والمداورة في الحقائب، وتعطلّ التشكيل. لكن بعد حصول لقاءات أميركية إيرانية، وانتخاب روحاني، وتغيّر مسار الأوضاع في إيران نحو الليونة، كان وليد بيك جنبلاط يعمل على مساعي لإنجاز التشكيلة، وحينها زارني وأبلغني بأن "الجماعة" وافقوا على السير بشروط التشكيل، فكانت الحكومة. حينها اتصل بي الرئيس باراك أوباما فور تشكيلها، وأبلغني دعم بلاده، وأوحى لي بأنها كانت نتيجة لمفاوضات جيدة مع إيران.  

 اليوم هذا هو الحلّ المتاح لتجاوز العقدة المصطنعة، والتي تنتظر تطورات إقليمية، فلن يكون هناك حلّ إلا "بفكفكتها كما جرى اصطناعها". ولذلك يدعو الحريري إلى الصبر والتحمّل قائلاً له: "الله يكون بعونك، ونحن خلفك، في هذا المفصل الأساسي من تاريخ لبنان والمنطقة". مضيفاً: "الرئيس الحريري كتافو عراض، ومنتمنى يِعْرَضوا أكثر، وهو يمثّل أمل الشباب". متمنياً أن لا تُصطنع عقدة أخرى إذا ما حلّت عقدة الوزراء السنّة، كما أراد الوزير باسيل أن يفعل يوم جرى التوافق على تشكيل حكومتي، فرفع سقف مطالبه، وعاد الحريري وتنازل لصالحهم عن ثلاث وزارات أساسية، الخارجية، الطاقة والمياه والتربية". مبدياً أسفه لطبيعة التيار الوطني الحرّ والآلية التي يعمل بها، وتقوم على أساس التعطيل والعرقلة، بهدف الوصول إلى المطالب والمكاسب، وللأسف أنهم مارسوها ونجحوا بها"، لحسابات رئاسية وغير رئاسية. يقول هذا، في مقابل نفيه حصول أي تنافس سنّي على رئاسة الحكومة حالياً، لأن الجميع يقف خلف الحريري، بخلاف الحسابات لدى الموارنة.

وسط الضجيج السياسي، يهتّم تمام سلام بشكاوى أهل بيروت ومطالبهم، يقول إنها أمانة تاريخية مستمرّ في حملها، عبر نقل الشكاوى ومعالجة الهموم، بمعزل عن السياسة.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها