آخر تحديث:00:07(بيروت)
الإثنين 19/11/2018
share

سعد الحريري "العاطفي" وعقيدة التسوية

منير الربيع | الإثنين 19/11/2018
شارك المقال :
  • 0

سعد الحريري "العاطفي" وعقيدة التسوية يرى نفسه أرفع من الدخول إلى ميدان المماحكات (Getty)

يُلام كثيراً سعد الحريري. بالإمكان توجيه مئات الإنتقادات لسياسته. في طبعه، تجليات لرجل الأعمال لا رجل السياسة. يريد أن تصله الأمور جاهزة لا تحتاج إلى غير توقيعه. يرى نفسه أرفع من الدخول إلى ميدان المماحكات، والغوص في تفاصيل هو بغنى عنها، ولا قدرة له على مجاراة الآخرين فيها. همّه النتيجة. وهي التي ينطق بها دوماً: "أنا أريد مصلحة البلد".

ومعنى "مصلحة البلد" هنا، وفق مفهوم مبسط، هو تحقيق حدّ أدنى من التوافق السياسي والطائفي، بما يوائم مصالح القوى المتخاصمة.. ومصلحته من بينهم. النتيجة التي أرادها، هي العودة إلى رئاسة الحكومة، مغلّفة بعناوين: الإنقاذ الإقتصادي، حماية المؤسسات، والحفاظ على إتفاق الطائف.

حقق النتيجة الأولى، فيما النقاط التالية لا تزال موضع صراع.

 

"تكليف" جبران

اليوم، يريد الحريري الوصول إلى مبتغاه، تشكيل حكومته الثانية في عهد ميشال عون. ومن الواضح أنه سئم المناورات، وملّ المشاورات. "عقّدته" العقد المتوالية، فوجد بـ"شريكه" جبران باسيل حلّالاً للمشاكل. أوكل إليه مهمة حلّ العقدة السنية، ومكث هو ينتظر. هي عقلية رجل الأعمال، لا رجل السياسة والصلاحيات. وهو يفضّل الترفّع عن مخاطر إيكال هكذا مهمّة إلى وزيرٍ، كان سابقاً يؤكد أن لا علاقة له بعملية تشكيل الحكومة، ولا بالمفاوضات. بل يؤكد أن رئيس الحكومة المكلف هو الذي يقوم بالمهمة! كان هذا موقف باسيل يوم نشوب أزمة التطاول على الصلاحيات، بين فريق رئيس الحكومة من جهة، وفريق رئيس الجمهورية من جهة أخرى. لكن، بعد بروز العقدة السنّية، تنازل سعد لجبران عن طيبة خاطر، متناسياً شبهة قضم صلاحيات رئيس مجلس الوزراء. هكذا انطلق باسيل ليجول ويدخل في مشاورات، وكأنه هو الرئيس المكلَّف.

 

لا يقف الحريري عند هذه التفاصيل. يستند إلى طيبة وصدق في ذاته، وينطلق من نيّة حسنة، بأن العلاقة مع باسيل، أكبر من مجرد الدخول في بنود الصلاحيات وتأويلاتها. العنوان واضح لديه: أنا أريد رئاسة الحكومة، ومستمر في الشراكة مع باسيل وعون. وباسيل صاحب الطاقة المتجددة، غير الناضبة، يهرع إلى إيجاد حلّ.. من كيس غيره. لا يريد خسارة عون لوزير سنّي من حصته، ولا خسارة الثلث زائد واحد. تارة يلقي واجب "التنازل" على الحريري، وطوراً يلقي به على النواب الستة المستقلين. فيما سعد يتقلّب على أريكة الانتظار.

 

أوزار الإرث 

أمزجة متعددة من الشخصيات تحيط به. أصحاب الرؤوس الحامية، الطامحون، الساعون إلى الإنتقام، الطامعون، المزايدون، الصغار في نفوسهم أو الكبار الموقّرون. هو الآتي من عالم البيزنس والمقاولات، المتنقّل في الطائرات بين العواصم. وجد نفسه فجأة وسط معمعة سياسية تحتاج إلى مزيج من الخبث والدهاء والقسوة. وقع بطيبته وسط ضباع السياسة. وورث راية سياسية حديثة، تحمل على كتفيها وزر طائفة، ووزر مقاومة الانحباس في "سنّية سياسية" وتوطيد رحابة العبور بين الطوائف. لا يمكن تحميله أكثر من طاقته، في مقارعة قوى وأحزاب لها تاريخها من المواجهات، المكائد، والحروب.

 

ثمة من يلومه على ما ورث، وآخرون يلومونه على ما قدّم. يعتبره هؤلاء أنه قدّم ما لا يمكن تقديمه. وأنه رفع شعارات غير قابلة للتطبيق في لبنان، القائم على التناحر بين الطوائف والقوى. هذه الشعارات التي رفعها منذ بروزه سياسياً، بأنه "أم الصبي" وهدفه مصلحة البلد، مستشهداً باستمرار، بمقاربات وجدانية حارة، بما كان "الشهداء الذين سقطوا على درب الحرية والسيادة والإستقلال" سيفعلونه لو كانوا على قيد الحياة. هذه المقاربات العاطفية، لجأ إليها يوم إعلانه تبنّي ترشيح عون لرئاسة الجمهورية، وسط اعتراضات كثيرة من بعض الذين اعتبروا أنه يدخل في مفترق خاطئ، وأنه سيصل إلى المحطّة الخطأ. وقد ذكّروه بذلك في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة، وأثناء "معارك" مفاوضات تشكيل الحكومة.

 

جنبلاط أم سعَيْد؟

في مقابل الملامة، ثمة من يشفق عليه، هو الذي وجد نفسه مطوّقاً بالدماء النازفة. تيار اللوم يحاول دفعه إلى الأخذ بالثأر، من دون حساب ولا موازنة للقدرات وللأثمان. يحاول "طلاب الثأر" هؤلاء أخذه إلى إعلان المواجهة السياسية، على نحو سيؤدي منطقياً إلى إبعاده عن السياسة، على غرار واقعة إقالة حكومته في العام 2010، وما رافق ابتعاده، من ترهّل في تياره، وأزمات مالية عصفت به. فحمل ما لا يمكن تحمّله من أزمات مالية وانقطاع للرواتب في مؤسساته. تلك المؤسسات التي وجد نفسه مضطّراً لتنكب أعبائها والحفاظ عليها. فإذا كان ذلك متيسراً مع الأب رفيق الحريري بكامل ثروته وبأوج ازدهاره، فقد أصبح بالغ العسر مع وريث جزء من ثروة ضامرة.

يقول الحريري عن نفسه "صاحب الصبر الطويل" ولو لم يكن كذلك، لانفجر.

نصب عينيه مقاربتان، إما أن يكون وليد جنبلاط دائم التسويات، وأبرزها التي عاصرها هو بنفسه في العام 2008، أو أن يتحوّل إلى فارس سعيد بنسخة 2018، أي رجل سياسي بعيد عن السياسة، صانع أوراق مبللة بالتنظير. استمراريته تقتضي أن يكون كوليد جنبلاط. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها