آخر تحديث:00:40(بيروت)
السبت 17/11/2018
share

"الحكيم" معبر الرئاسة ..ومطهر السياسة

منير الربيع | السبت 17/11/2018
شارك المقال :
  • 0

"الحكيم" معبر الرئاسة ..ومطهر السياسة لا يستسهل الوقوف أمام اللحظات الوجدانية، لأنها بالغة الأثر في طبعه وسيرته (Getty)
 بخطى مسرعة، أثقلها التاريخ الذي لا يرحم، دخل سمير جعجع إلى القاعة الرئيسية في الصرح البطريركي بانتظار سليمان فرنجية. ومن يعرف "الحكيم" يوقن أنه يتجوهر في زمن الأزمات. فهو لا يستسهل الوقوف أمام اللحظات الوجدانية، لأنها بالغة الأثر في طبعه وسيرته، وهي دوماً تمسّه في العمق. تلك اللحظات بالنسبة إليه، ليس من الهيّن تجاهلها أو الإستخفاف بها.

 

في المعارك، يزأر سمير جعجع. أما في لحظات "العتاب" والمصافحة، فيبدو ذاهلاً، ينظر بتشتت لا يتواءم مع عسكري مخضرم. ذاك التشتت ليس ضياعاً بل هو ملاحقة صامتة للكثير من المعاني، التي - في لحظتها - يكون "حبيس وزارة الدفاع" غائصاً في أعماقه. ينعكس ذلك على تصرّفاته، التي رأيناها مكثّفة في المصافحة بيد "مكربجة" لحساسية اللحظة، صدقها، ولأثر رصاصة تلقّتها، ذات هجمة عسكرية في حزيران 1978، وغاية مدّها اليوم من أجل المسامحة. كان الفرح في لحظات تجلّ، وفي عينيه نظرة مظلوم حُمّل ما لم يحتمله أحد. الفارق كبير، بين قائد القوات في الميدان، والقائد العسكري العاشق للفلسفة الروحية. يقول عارفوه إن راحته تتجلّى في انسداله إلى دواخله، يعود إلى لحظات الوحدة، التي كوّن فيها شخصية الراهب في زنزانة. 

 

السردية الخبيثة

يتّهمه البعض، بأنه لا يزال قابعاً في زنزانته، ولم يغادرها. لا يعتبر عارفوه والمحيطون به، أن في ذلك إدانة. هو يرتاح هناك، حيث يرى فيها مكاناً لصفاء ذهنه، وصدقه مع نفسه. خصومه أو مبغضوه، يتهمونه بالباطنية. وبلا شك، كانت هذه "الباطنية"، أو رهبنته السياسية (بعد "حرب الإلغاء" خصوصاً)، وراء دفعه ثمن الحرب اللبنانية وحيداً، سجناً وصيتاً.

 

يكاد يكون أكثر الأشخاص المرجومين بصفة الإجرام، وفق أخبث سرديات أسباب الحرب ووقائعها، لكنه لم يتراجع أو يساوم. رفض منصبين وزاريين عرضا عليه، أبى الهرب والمغادرة أو قبول النصائح الصادقة أو تلك التي تضمر التهديد. أدرك أن ثمة ما يحضّر له لشطبه من المعادلة، ولم يرتجف. انتظر في غدراس تلك اللحظة التي سيكرّس فيها مبدئية رهبانيته.

 

في غوصه الداخلي، يتّجه جعجع إلى أعماق وادي قاديشا، وإلى ما يقوله أحد المطارنة، بأن الموارنة يقاتلون للقاء الله، وأينما توجّهوا، غاية إيمانهم اللقاء بالرب. سواء ارتفعوا على قمم الجبال، الغاية الإقتراب من الله، أو انحدروا إلى أعماق الوديان، فيكون سبر أغوار الأعماق، غاية في الإلتقاء الروحي مع الله. يقاتل بهذه الروحية المارونية، ذات التاريخ المعروف باللجوء إلى المغاور والجبال لتحصين الذات. جعل جعجع من زنزانته، حصناً لراحته. قتاله كان على درب الرهبنة، وسجنه تحوّل إلى ما يشبه الصومعة. 

 

التطهّر

العنوان الوجداني للمصالحة مع سليمان فرنجية، هو الذي طلبه. ونجح في الخروج من تحت عباءة ملطّخة بدم ومجازر، أريد لها أن تبقى ملقاة عليه، لغايات سياسية محضة. خطوة فرنجية كبيرة في المسامحة، لكن جعجع أيضاً توجّب عليه مسامحة مطلقي تهم حمّلته أوزار معارك لم يكن مشاركاً فيها.

 

بين مصالحة سياسية وأخرى وجدانية. بيّض سمير جعجع صفحة تاريخية، كان المراد الإستمرار في تلطيخها. بمصالحته مع ميشال عون، نجح بإلقاء تهم الإبتزاز التي لطالما تعرّض لها بقتل الجيش ومواجهة الشرعية، وسفك الدماء في الشرقية. بقيت اللطخة الأخيرة، "مجزرة إهدن" التي أصيب قبل أن يصل إليها. كان لديه أوامر بمهاجمة المدينة، ولم يكن لديه أوامر بقتل طوني فرنجية. عمل على إزالة التباسات آخر اللطخات، وكأنه نجح في إنجاز تبييض سجّله العدلي والسياسي.

 

تحوّل سمير جعجع حاجة إلى جميع خصومه. احتاجه عون للوصول إلى الرئاسة، وسيحتاجه فرنجية في خطاه إلى قصر بعبدا. وجبران باسيل كذلك. فتحوّل إلى صانع الحدث الرئاسي قبل سنتين، ولعب دور المايسترو في عملية تشكيل الحكومة تسهيلاً وعرقلة. وهو يستعد للعب دور صانع الرئيس المقبل، إذا لم يحالفه الحظ في الوصول إلى جمهوريته القوية. قد لا يحقق جعجع طموحه برئاسة الجمهورية، لكنه يعيش في جمهورية خاصة في معراب، يريد تحويلها إلى معبر رئاسي أساسي. الإستعاضة عن الرئاسة في نظر جعجع، تكون بتحوّله إلى أبٍ للجمهورية. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها