آخر تحديث:11:35(بيروت)
الجمعة 17/03/2017
share

رسالة إلى رافضي الضرائب

حسان الزين | الجمعة 17/03/2017
شارك المقال :
رسالة إلى رافضي الضرائب مهم إبداع مساحات ديمقراطية لمشاركة المواطنين (ريشار سمور)

مع توالي الدعوات إلى التظاهر والاعتصام ورفض الضرائب الجديدة، تكثّفت المخاوف من عدم تنسيق المجموعات الداعية وتكاثرها. والحقيقة أن الأمرين صحيحان وصحّيان.

فمع عربدة القوى السياسيّة وألاعيبها، في شأن الضرائب وغيرها، ومع استشراء الهدر والفساد بوقاحة، ومع اقتران السياسة بالمنفعة وتنامي الثروات على حساب الدولة والمواطنين، ومع احتكار القوى السياسية المؤسسات الدستوريّة الديمقراطيّة وسعيها إلى تمديد ذلك وتكريسه وإقصاء المواطنين، إلا بما هم أرقام انتخابية وضرائبية، من الطبيعي والضروري والجميل أن تنطلق الاحتجاجات والتجمّعات، لتكبر كرة الثلج وتتدحرج.

ومع خفوت وهج الحراك في محطته الأولى في 2015 بالشكل الذي آلت إليه الأمور من انقسامات، بعد صعوبة التوحّد والتنسيق وإنتاج آلية حوار وقرار، من البديهي حضور الهواجس خوفاً من تكرار تجربة الانطلاق إلى الشوارع والساحات من دون تنسيق وحوار وقرار مشترك، ثم التشتت وطغيان الاختلافات والخصومات.

اللحظة بحاجة إلى مقاربة سياسية أوسع وأكثر راهنيّة.. واستراتيجيّة. فالقوى السياسيّة، على عكس لحظة الحراك في محطته الأولى، موحّدة رغم تبايناتها الظاهرة. وهي تنتقل من الفساد والمحاصصة إلى توزيع الثروة وإعادة إنتاج وارداتها وتوسيعها، فساديّاً وبتروليّاً وضرائبياً...، على حساب الدولة والمواطنين. وهي تنتقل من انفجار صيغة حكم مرتبطة بستاتيكو دولي وإقليمي إلى تكريس صيغة حكم يدور الصراع اليوم على الأحجام والأدوار فيها. وتترجم ذلك بالإقتصاد الذي تُحكم القبضة عليه وتحاول تطويعه ورسم مراكز القوى فيه وأدواره؛ وبالأمن الذي تتوزّع مؤسساته؛ وباحتكار الدولة وتجديد دورها الزبائني الذي يمسك برقاب الموظفين والمواطنين؛ وبالسيطرة على المؤسسات الدستوريّة الديمقراطية من خلال إنتاج مجلس نيابي تفسّر الأحجامُ فيه التوازناتِ الدولية الإقليمية.

مقابل ذلك، مشهد الاعتراض يغلي وينمو ويتوسّع ويتغلغل حتى في "بيئات" القوى السياسية. وإذا كان صحّياً إنطلاق وإطلاق كل الحيويّات الاجتماعيّة ومظاهر الاحتجاج السلمي اللاعنفي، فمن الخطير، والخطأ، المنافسة على احتكار المشهد. ولا يقل خطراً عن ذلك إقصاء "جماهير" الزعماء والقوى السياسيّة واستفزازها. بل يفترض الانفتاح عليها وفسح المجال لها لعلها تمارس ضغطاً في أطرها السياسيّة. مثلما هو ضروري العمل مع الفئات المتضررة من السلسلة لتجاوز تشتتها ومحاولات إغرائها بالمفرق لإبعادها عن الاحتجاج والشارع. وفيما من الخطير والخطأ التوهّم أنَّ "الثورة" اليوم، من غير الواقعي اعتبار أن النتائج ستكون سهلة أو سريعة، أو أن التظاهر والاعتصام هما الأسلوب الوحيد. وفيما من الخطير والخطأ تحميل التحرّكات الشعارات السياسيّة الكبرى والانقساميّة، من الكارثي حجب الهدف الأول للتحرّكات، أي رفض الضرائب والسياسات الإقتصادية المجحفة بحق المواطنين.

وبمقدار ما هو مهم التنسيق وتوحيد الجهود والقرار، مهم إبداع مساحات وأساليب ديمقراطية لمشاركة المواطنين وإبداء آرائهم.. ووصولها. بهدف الشراكة والديمقراطية، وبهدف الاستمرار وتأصيل الحراك على كامل الأراضي اللبنانية.

المنازلة مفتوحة، وحتى معركة الانتخابات، قانوناً واستحقاقاً، الراهنة والمهمّة، منفصلة نظريّاً أو تكتيكيّاً عن معركة رفض الضرائب والسياسات الإقتصادية. فالمعارك تستفيد من بعضها إذا لم تُخلط، وترهق بعضها إذا ما تداخلت على نحو عشوائي. وبمقدار ما هو مفيد "تذكر" الأخطاء التي ارتُكِبت في الحراك سابقاً، بقدر ما هو ضروري عدم نسيان ما قامت به القوى السياسية لإرهاق الحراك وتدميره، سياسيّاً وأمنيّاً وإعلاميّاً. وأحسب أن هناك حساً ووعياً أخلاقيين وسياسيين، وتجاه التجربة الماضية والراهنة، سيتظهران في العمل والحوار.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

حسان الزين

حسان الزين

مدير التحرير

مقالات أخرى للكاتب