آخر تحديث:01:01(بيروت)
الأحد 12/02/2017
share

مزارعو الحشيشة لا يعنيهم العفو

نبيلة غصين | الأحد 12/02/2017
شارك المقال :
مزارعو الحشيشة لا يعنيهم العفو ماذا يعني العفو من دون إنماء؟ (Getty)

تستغرق المسافة الفاصلة بين بيروت وبعلبك الهرمل نحو ساعة ونصف الساعة. هناك حيث موطن العشائر، المنطقة السجينة التي يبلغ عدد المطلوبين فيها نحو 33 ألفاً، تتنوع أحكامهم من إطلاق النار وتشابه الأسماء إلى القتل وتجارة المخدرات.

يعرّف المطلوبون منطقتهم بـ"خاصرة لبنان" التي يحركها المسؤولون بحسب أجنداتهم. وبالنسبة إليهم هم ضحية أنظمة فاسدة وسياسة أحزاب تحاول تجويع منطقتهم. الصراع القائم بين منطق الدولة وحكم العشيرة، هو صراع تتخلله عمليات كر وفر، وما من منتصر. فكما للعشيرة أعرافها ومضاربها التي تتجنب الدولة في كثير من الأحيان تجاوزها، كذلك تظهر العشائر، قدر المستطاع، إحترامها القوانين. إلا أن هذا الاتفاق الضمني غالباً ما يخرقه الطرفان لأسباب عدة.

تفاقمت أزمة المنطقة بحلول العام 1992. فبعد حرب أهلية غابت فيها الدولة وعمت الفوضى، وصلت زراعة الحشيشة والإتجار بالمخدرات إلى عصرهما الذهبي. فزراعة الحشيشة، التي لطالما كانت مشرعة "ضمناً" في تلك المنطقة، خلال الحكم العثماني والانتداب الفرنسي، باتت بعد استتباب الأمن ممنوعة ومكافحة بقرار خارجي. ومنذ ذلك الحين، تزايدت أعداد المطلوبين، فتحولت المنطقة إلى سجن كبير، لا يستطيعون الخروج منه إلاّ بطرق سرية. أخيراً، لم تقتصر تهم المطلوبين على الإتجار واطلاق النار، بل انتقلت إلى عمليات السرقة والخطف للمطالبة بفدية. تكاثر هذه الحوادث، استدعى تدخل زعماء الأحزاب.

اليوم يكثر الحديث عن العفو العام، فهل يريد الطفار عفواً عاماً؟

70 % من المطلوبين
على طول الطريق من بيروت إلى البقاع ترد أخبار عن تسكير طرق وإشعال إطارات، والمطلب الوحيد هو العفو العام. في حي الشراونة، في بعلبك، حيث عشيرة آل جعفر، يستقبلنا أبو حسن في منزله المحاط بكاميرات المراقبة، وشباب بأسلحتهم وأجهزتهم اللاسلكية. قبل الحرب الأهلية كان أبو حسن أستاذاً متفرغاً في التعليم الرسمي، ولم يكن دخله حينها يغطي تكاليف لباسه الخاص. بدأ زراعة الحشيشة مع بداية الحرب، ثم تحول إلى زراعة التفاح.

يسرد أبو حسن كيف منعت الدولة زراعة الحشيشة في التسعينات، بعدما أصبحت لقمة عيشهم الوحيدة. ويسأل هل المشروبات الروحية أقل ضرراً من الحشيشة؟ ينتقد أبو حسن القوانين التي يتم على أساسها توقيف الناس وملاحقتهم، فهذه الأساليب هي التي تزيد من عدد المطلوبين. فإذا ما تم توقيف أحدهم وفي حوزته قطعة حشيشة يعمدون تحت التعذيب إلى سحب أكبر قدر ممكن من أسماء المتعاونين معه، وتصبح هذه الأسماء مطلوبة تلقائياً من دون التحقق من صدقية الإخبارية. هناك أيضاً مشكلة تشابه الأسماء، التي زادت من عدد المطلوبين بشكل كبير.

يعتبر أبو حسن أن لا انتخابات نيابية من دون عفو عام، فللجميع مصلحة في إقرار هذا العفو. وإثارته اليوم ليست محبة بأهل البقاع فحسب. فرئيس الجمهورية ميشال عون يريد تسوية أوضاع العملاء الذين هربوا إلى فلسطين المحتلة، والحريري يريد تسوية أوضاع المطلوبين في الشمال، والبقاع يهم حزب الله وحركة أمل. وفي رأيه، على الدولة أن تسعى إلى إرجاع الناس المطلوبين إلى كنفها. فأكثر من 70 % من المطلوبين نادمون على أفعالهم، وهؤلاء مستعدون للعيش بالقليل مقابل أن يصبحوا أحراراً.

مزارعو الحشيشة لا يعنيهم العفو
العفو العام الذي يطالب بيه أبو حسن لا يهم أبو علي شمص. فالأخير، وهو مزارع الحشيشة الذي يواجه الدوريات العسكرية بالرصاص خلال محاولات تلف المحصول، يعتبر أن من سيقرون العفو العام من رأس السلطة والوزراء والنواب وحتى رؤساء الأحزاب "هم مجموعة من السارقين. فهل يعقل أن يصدر حرامي عفواً لمزارع؟". ومزارعو الحشيشة، وفق شمص، لا يحتاجون إلى عفو كونهم غير مذنبين، بل لا يرضون أن يشملهم العفو مع السارقين والخاطفين. فهم لديهم مشروع يطالبون فيه بانماء منطقة البقاع وإيجاد البديل، وإلا سيبقون على زراعة الحشيشة بقوة السلاح.

ويعطي شمص مثالاً على "سرقة المسؤولين للشعب". وهو أن الدولة تستورد كيلو القمح مقابل 900 ليرة، ولم توافق على شرائه من المزارع اللبناني مقابل 700 ليرة لأنها "لا تستطيع إزعاج تجار المافيات المحسوبين على الزعماء". كما أن معظم رخص الدخان في المنطقة "تعطى لرجال في الدولة أو ميسوري الحال، الذين حازوا على الرخص بالواسطة ثم يقومون بتضمينها للمزارع الفقير".

أما عن الخطة الأمنية، فيقول شمص إنه سيواجه كل من سيحاول الإقتراب من منزله أو تلف محصوله الزراعي، ولن يتوارى عن الأنظار لأنه ليس مخطئاً، بحسب قوله. ويعتبر شمص أن سياسة الأحزاب هي التي أوصلت المنطقة إلى ما هي عليه، و"هذه كانت سياسة صبري حمادة الذين كان يقول جوعوهم بتكسبوهم، شبعوهم ما فيكم ليهم".

الدولة هي الطافرة
يعتبر دمر المقداد أن الدولة هي المسؤولة عما وصلت إليه المنطقة. فالحكومة أعلنت البقاع منطقة عسكرية منذ العام 1997 بعد قيام ثورة الجياع، وهي تريد أن تبقى المنطقة خارجة عن القانون. و"إذا لم تحصل عمليات خطف أو سرقة، فإن الدولة ستفبرك هذه العمليات. وهذا ما حصل مع حادثة خطف المواطن ريشا"، وفقه. ويطالب مقداد بما هو أكثر من العفو العام، أي "احتضان المنطقة المحرومة، حيث لا يجد الشبان فرص العمل، فلا يكون أمامهم غير زراعة الحشيشة والإتجار بالمخدرات".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها