آخر تحديث:10:15(بيروت)
السبت 07/01/2017
share

نظام الانتخابات في لبنان.. الأسوأ بين الدول الديمقراطية

مارون كيروز | السبت 07/01/2017
شارك المقال :
نظام الانتخابات في لبنان.. الأسوأ بين الدول الديمقراطية النظام الأكثري يتسبب بإقصاء أقليات وازنة (علي علوش)

يعتمد قانون الستين النافذ حالياً على نظام انتخابي أكثري ضمن دوائر متعددة المقاعد، ويسمى "نظام الانتخاب الكتلوي" (Bloc Voting System). من مساوئ هذا النوع من الأنظمة أنه يؤدي إلى تحالفات بين الأحزاب والمرشحين هي بحت انتخابية لا تقوم على برنامج للحكم، ويؤدي إلى خلل في تمثيل جزء واسع من الفئات السياسية، وإلى لا استقرار في الحكم وفساد في الدولة من جراء الحاجة إلى توزيع المغانم على أعضاء التحالف الانتخابي.

نظراً إلى هذه السيئات، ينضم لبنان إلى نادِ شديد الانحصار من الدول التي تعتمد نظاماً من هذا الصنف. فاذا استثنينا باقة من الجزر الصغرى وبضعة دول إفريقية، تبقى لاوس وسنغافورة في آسيا الجنوبية الشرقية الدولتين البارزتين الوحيدتين بين الدول التي تنتخب مجالس نوابها وفقاً لنظامٍ كهذا. والبلدان، تحكمهما حكومات من حزب واحد منذ الاستقلال (شيوعي في لاوس وتكنوقراطي ذو نكهة ليبرالية في سنغافورة)، بحيث أن الممارسة الديمقراطية لا تزال ناقصة، بدرجات متفواتة، في البلدين.

على هذا الأساس، ينتمي أقل من 0.3% من الناخبين في العالم إلى دول تعتمد هذا النظام. ويفوق النظام الانتخابي في لبنان أنظمة تلك الدول سوءاً، لأن هذه الأخيرة تعتمد دوائر ذات حجم متقارب، فيما تراوح الدوائر في لبنان من نائبين إلى عشرة نواب، مع فوارق كبيرة في أعداد ناخبي كل دائرة انتخابية.

في المقابل، إذا نظرنا إلى الديمقراطيات المتجذّرة، نجد أنها تنقسم بشكل أساسي على فئتين أساسيتين من الأنظمة الانتخابية.

فمن جهة، يعيش نحو 75% من ناخبي الديمقراطيات المتجذرة  في دول تعتمد النظام الأكثري ضمن الدائرة الفردية، بحيث يدلي كل فردٍ بصوته لنائب واحد في دائرته. وتضم هذه الفئة، على سبيل المثال، الولايات المتحدة الأميركية، الهند، بريطانيا، فرنسا، أستراليا، وكندا.

ومن جهة ثانية، تضم الدول التي تعتمد النظام النسبي نحو 16% من مجموع الناخبين في العالم، وذلك ضمن دوائر جغرافية كبيرة، عادةً ما تكون على أساس المحافظة/ الولاية. ويندرج تحت هذا الإطار قسم كبير من الدول الأوروبية، مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان والدول الاسكاندينافية وبلجيكا وهولندا وسويسرا،  بالإضافة إلى التشيلي والبرازيل واندونيسيا وإسرائيل.

بعيداً من الهرطقات الدستورية والجمباز السياسي، على الخيارات المنطقية أن تكون محصورة بين اثنين: أكثري مع دائرة فردية، أو نسبي مع دائرة موسّعة. مع العلم أنه في ما يخص النظامين، هناك مروحة كبيرة من الخيارات التفصيلية و"النكهات" المتنوعة (عدد الدورات، الأكثرية المطلوبة للفوز، الصوت التفضيلي، الخ). أما الكلام التبسيطي المنتشر عن أن هذا النظام أفضل من ذاك بالمطلق، فهو غير دقيق وبعيد من العلم ومضلل، لأن لكل من النظامين حسنات وسيئات. فالنظام الأكثري يؤدي إلى حكم أكثر استقراراً وإلى تفويض من الشعب لتطبيق برنامج سياسي واضح، لكنه يمكن أن يتسبب بإقصاء أقليات وازنة بشكل قطعي عن التمثيل.

في المقابل، النظام النسبي يفضي إلى  تمثيل أكثر عدالةً، غير أنه يمكن أن يوَلّد أكثريات غير مستقرة وغير قادرة على الحكم بفعالية، أو تعتمد على أحزاب صغيرة أو متطرفة لتأمين استمرارية حكمها.

يمكننا استخراج ثلاثة معايير لقواعد تحكم قانون الانتخاب: المناصفة بين المسيحيين والمسلمين (انطلاقاً من عبارة "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك")، إلغاء الطائفية السياسية، وتمثيل النائب للأمة جمعاء.

استناداً إلى المعايير المذكورة، يسقط طرح الدائرة الفردية: فإذا أبقينا على عدد النواب الحالي (128)، يمكن أن نتخيل أن يفوز بعض النواب في مقعدهم بما لا يتجاوز العشرة آلاف صوت. وهذا تفويض شعبي ضئيل لدرجة أنه يتناقض مع تمثيل "الأمة جمعاء".

وفيما يبقى النظام النسبي النظام الانتخابي الوحيد الذي ينسجم مع دستور الجمهورية اللبنانية وتنوّعها، فإنه يأتي مع مشاكله أيضاً، وأبرزها، إضافةً إلى ما ذُكر آنفاً، أن في هذا النظام هناك ميل عند الأحزاب إلى أن تركّز جميع طاقاتها على استنهاض كتلتها الناخبة الصلبة. وقد تمتنع عن مخاطبة الرأي العام المحايد والمناهض، بما أن منفعة الحصول على كل صوت إضافي تُصبح محدودة عندئذٍ. ومن المحتمل أن يتسبب ذلك بموجة شحن طائفي وحزبوي ضيّق كالسبيل الأسهل لتحقيق الإستنهاض المطلوب. فأي صنف من القوانين النسبية بمقدوره أن يتيح تفادي هذا الجانب الخطير، وأن يحقق في الوقت عينه المعايير الثلاثة التي نصّ عليها الدستور؟

وفقاً لما نراه، يكون هذا القانون الدستوري- الميثاقي على الشكل الآتي: يقسّم لبنان إلى دائرتين انتخابيتين. يُنتخَب في كل منهما32 نائباً مسيحياً و32 نائباً مسلماً وفقاً للقانون النسبي ضمن لائحتين مغلقتين مع صوت تفضيلي لكل لائحة، وشرط حصول كل لائحة على 5% من أصوات المقترعين للدخول الندوة البرلمانية. ويمكن تخصيص عدد إضافي من النواب (بين 10 أو 20) للحزب الذي يحل في المرتبة الأولى من حيث المقاعد. أما الدائرتان المذكورتان، فتُرسم ببساطة على الشكل الآتي: تتألف الدائرة الأولى من جميع ناخبي المذاهب الإسلامية على امتداد الوطن، والثانية من جميع ناخبي المذاهب المسيحية. أما إيجابيات هكذا قانون انتخابي، علاوةً عن منافع النسبية بشكل عام، فهي كالآتي:

أولا، يُشكّل هذا النظام الانتخابي معبراً ضرورياً إلى إلغاء الطائفية السياسية، عبر إرغام كل ناخب على اختيار قائمتين من المسلمين والمسيحيين من ناحية، ما يسهم في أن يعتاد على فكرة الفصل بين هويته الطائفية وهوية من يمثله. ومن ناحية ثانية، يلغي المذهبية السياسية. في الوقت عينه، يحصر هذا القانون المبارزة الانتخابية ضمن الطائفتين، عوضاً عن أن تكون بينهما، مخففاً بهذا الفعل الشحن الطائفي الذي يطفو إلى السطح قبل كل جولة انتخابية.

ثانياً، إن الترشح وفقاً لدوائر انتخابية تمتد على مساحة الوطن، يجب أن يؤدي إلى انتفاء سبب وجود التحالفات الانتخابية (أي من دون اتفاق وبرنامج سياسيين)، ويضع حداً لتفشي الرشوة والزبائنية الانتخابيتين، ويحوّل الحملات الانتخابية الى استفتاءات على خيارات سياسية وطنية كبيرة (بعيداً من طبيعتها المحلية الضيقة حالياً)، يحتاج بلد في طور تثبيت تأسيسه إلى اللجوء إليها.

ثالثًا، لما كان على كل حزب يطمح إلى تمثيل وازن داخل البرلمان ملزم في ترشيح 32 نائباً على الأقل من خارج الطائفة التي يمثلها حالياً، سيُجبَر على إعداد مسؤولين وكوادر من جميع الطوائف، لديهم قدرة تمثيلية حقيقية.

رابعاً، يسمح هكذا نظام بتمرير إصلاحات انتخابية يسهل تطبيقها في ظله، اذ تخف الاعتراضات عليها، ونذكر منها: مكننة التصويت أو اللوائح الموحّدة، الكوتا النسائية، تخفيض سن الإقتراع والترشيح إلى 18 سنة، تسهيل إقتراع المغتربين، السماح بالاقتراع في مكان الإقامة، وتسهيل حصول الجنسية اللبنانية لمستحقيها، وتحديداً المولودين من أم لبنانية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب

النسبية.. نهاية اليسار؟ الثلاثاء 31/10/2017