آخر تحديث:10:25(بيروت)
الأربعاء 25/01/2017
share

"عرب المسلخ" القلب مع جنبلاط والعقل مع الحريري

نبيلة غصين | الأربعاء 25/01/2017
شارك المقال :
"عرب المسلخ" القلب مع جنبلاط والعقل مع الحريري لا يتجاوز عدد المنتسبين إلى السلك العسكري من بين عرب المسلخ أصابع اليد الواحدة (المدن)

ترافق تسمية عرب المسلخ تصورات جماعية عدة. منهم من يظن أنهم "نور"، ومنهم من يعتبرهم "زعران" أو "مشكلجية". لكنهم في الواقع يعيشون غرباء في وطنهم. فهم لم تشفع لهم المجازر التي تعرضوا لها إبان الحرب الأهلية، في ما عرف بمجزرة الكارنتينا، في نيل أي تعاطف أو تحقيق أي مكتسبات كسائر أفرقاء الحرب. ولم تخولهم دماء شهدائهم التي سقطت في محاربة الإحتلال الإسرائيلي من إثبات وطنيتهم.

سميوا عرب المسلخ لأنهم كانوا يسكنون قرب مسلخ بيروت قبل تهجيرهم، وهم من العشائر العربية المنتشرة في معظم المناطق اللبنانية. تعود أصولهم إلى عشيرة الزريقات، وعشيرة العراسنة والنعيمي، لكنهم لبنانيون شملهم إحصاء العام 1932، وهم ينتمون إلى المذهب السني. غير أنهم إلى اليوم يكررون السؤال ذاته: "هل أنتم لبنانيون؟".

ديوانية العشيرة
حفر "الإندماج" عميقاً في العادات والتقاليد العشائرية لدى عرب المسلخ، فتخلوا عن العديد منها واكتسبوا أخرى غريبة عن ثقافتهم. وحدها "الديوانية" أو "المضافة" لايزال وجودها من الضروريات. فلكل عائلة ديوانيتها، وهي عبارة عن قاعة كبيرة مكسوة بالسجاد، ومحاطة بالجلسة العربية. وتعتبر مكان اللقاء والمباحثة في أمور العشيرة السياسية والاجتماعية.

يقول عرب المسلح إن أحداً لا يتذكرهم إلا مع اقتراب موسم الانتخابات. وفي الديوانية، حيث ينشغلون بتدخين الأركيلة العجمية أو بلعب الورق واستعمال الهواتف، يفوضون أبو سراج بالحديث، وهو الناجي من مجزرة الكارنتينا عندما كان في 17 من عمره. يقول إن عرب المسلخ جاؤوا من منطقة المدور في الكارنتينا، وكانت تعتبر مركزاً صناعياً وتجارياً مهماً لأسباب عدة، منها: قربها من المرفأ، مرور خط سكة الحديد بمحاذاتها، وجود المسلخ والمحجر الصحي. لذا، كانت محاطة بالأحياء الفقيرة التي يقطنها العمال الأكراد والشيعة والعرب.

في 19 كانون الثاني 1976 وقعت مجزرة الكارنتينا، فهرب معظم عرب المسلخ إلى منطقة الجناح حيث فتحت لهم منظمة التحرير الفلسطينية فنادق السان سيمون والسان ميشال وغيرهما. ثم قدم لهم كمال جنبلاط المساعدة، فانتقلوا من الجناح إلى خلدة، ثم إلى مناطق عدة أبرزها الناعمة. إلا أن معظمهم هاجر إلى ألمانيا. كانت منطقة المدور قبل اتفاق الطائف تقع ضمن الدائرة الأولى، حيث جميع نوابها من الأرمن والمسيحيين، فلا مقعد سنياً هناك. "لذا، لم يكترث لحالنا أحد"، يقول أبو سراج. أما بعد الطائف فباتت المدور تتبع للدائرة الثانية أو الثالثة. "حينها بدأنا نرى نواب السنة".

انحياز وود
لطالما انحاز عرب المسلخ إلى القضايا الوطنية والقومية، فانتسبوا إلى التنظيم الشعبي الناصري والاتحاد الاشتراكي العربي، إلا أن للحزب التقدمي الإشتراكي معزته الخاصة. وهذه العلاقة الودية تعود إلى أيام كمال جنبلاط الذي أولى إهتماماً خاصاً بعرب المسلخ، وكانت له زيارات عدة إلى الكارنتينا في الخمسينات، وكان هو الزعيم الوحيد الذي احتضنهم بعد المجزرة، في حين لم يقدم لهم أحد من الزعماء السنة أي مساعدة. خلال الحرب انضوى معظم شباب عرب المسلخ في الحزب الاشتراكي وقد شكلوا فصيلاً خاصاً بهم سمي "قوات المسلخ". يعتبر أبو سراج أن صيت "مشكلجية" أكتسب من تلك المرحلة، فكانت لهم مواجهات شرسة، وفي كثير من الأحيان كان الزعماء يستخدمونهم "شماعة" يلصقون بإسمهم التجاوزات المرتكبة.

وبعد الطائف انضوى عرب المسلخ تحت عباءة الزعامة السنية، من سليم الحص إلى رفيق الحريري وصولاً إلى الحريري الإبن. إلا أن هذا الولاء لا يخلو من العتب في الجلسات الداخلية. فجنبلاط الذي استلم وزارة المهجرين لسنوات طويلة، لم يفِ بوعده بايجاد حل لإرجاع أملاك العرب وعقارات هم في الكارنتينا. وكان هناك إحجاف مادي بحقهم. فقد نال عرب المسلخ تعويضاَ عن وحدة سكنية واحدة من دون اعتبار الأصول والفروع، كما بقية المهجرين اللبنانيين. فيما تحولت اليوم عقارات عرب المسلخ في الكارنتينا إلى ثكنة عسكرية خاصة بعد صدور قرار 325 الذي استثنى مضمونه منطقة الكارنتينا من حق عودة المهجرين.

أما عتبهم الكبير فهو على سعد الحريري، الذي لم يقدم أي مساعدة لهم. ويستند هؤلاء على تجربة الانتخابات البلدية في العام 2016، إذ لم يتبن الحريري مرشحاً من العرب رغم وجود أصحاب الكفاءات من الأطباء والمهندسين. كذلك الحال في الوظائف، إذ يميز الحريري بين العائلات البيروتية وعرب المسلخ، رغم أن عدد الناخبين على لوائح الشطب هو 6200 ناخب في منطقة المدور فحسب.

العلاقة مع حزب الله
تعود جذور العلاقة بين عرب المسلخ وحزب الله إلى أواخر الثمانينات. فحين كان السيد عباس الموسوي الأمين العام للحزب، لبى دعوتهم في مناسبات عدة. يعتبر الحاضرون أن مبدأ المقاومة هو الذي يجمعهم بحزب الله، خصوصاً أن للعرب شهداء سقطوا دفاعاً عن الوطن خلال الاجتياح الاسرائيلي، في العام 1982. وقد نال نواب حزب الله، من محمد البرجاوي وأمين شري، أصوات العديد من العرب في انتخابات سابقة. تعاطفهم مع حزب الله يترجم في إنخراط بعض شبابهم في سرايا المقاومة، إلا أن ذلك يبقى ضمن حالات فردية قليلة، كما يقول الحاضرون، وأن هؤلاء ليسوا مصدر إزعاج لأحد، وهم لا يتقاضون بدلاً مادياً كبيراً، ولا يحتاجون إلى حماية أو غطاء، بل "هو حب المقاومة"، كما يقول أبو سراج.

المقاهي مقابل الديوانيات
في أحد المقاهي المحاذية للطريق يتجمع عدد من شبان العرب. في البداية رفضوا التحدث، طالبين التوجه إلى الديوانيات حيث كبار العشيرة. إلا أن الأصوات المعارضة لا يمكن خفتها. "نحن ما منروح على الديوانيات"، يقول أحدهم. وعندما سئل عن السبب، بدأت الأصوات تعلو. هم معارضون لمنطق كبار العشيرة الذين يسايرون مضطرين زعماء الأحزاب، الذين لا يقدمون أي خدمات لشباب العشيرة. "عندما يأتي زعيم يقولون له لدينا 300 أو 400 شاب وهم لا يمونون على أحد".

لا يتجاوز عدد المنتسبين إلى السلك العسكري من بين عرب المسلخ أصابع اليد الواحدة. أما الموظفون في بلدية بيروت فلا يتجاوز عددهم الأربعة. فمعظم شباب العرب يسعون إلى الهجرة. ورغم أن نسبة عالية منهم تنال شهادة الثانوية العامة، إلا أن قلة تنتسب إلى الجامعات، إذ يعتبرونها "مضيعة وقت". فهم سيهدرون سنوات من حياتهم، لن يحصلوا بعدها على وظيفة لأن لا واسطة لديهم، كما يقولون. هكذا، يتوجهون نحو المهن الحرة والمصالح أو الهجرة. لكن اعتراض الشباب لا يتجاوز حدود التململ من الوضع المتردي، وفي الانتخابات النيابية كما البلدية يضعون اللائحة "زي ما هي" كما يقول "الكبارية".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها