آخر تحديث:11:50(بيروت)
الخميس 03/03/2016
share

الكذب كمسؤولية وطنية لبنانية

نديم قطيش | الخميس 03/03/2016
شارك المقال :
الكذب كمسؤولية وطنية لبنانية

كلما ارتقت حدة الإشتباك بين حزب الله والعرب درجة، تجدد السؤال عن نوع العلاقة الممكن صوغها معه، لا سيما ممن يعتبرون حلفاء المحور العربي في لبنان.

منذ العام 2005 وحتى اليوم، لم يهدأ هذا السؤال.

كيف تتعايش قوى لبنانية مع حزب حارب بلا هوادة قيام المحكمة الخاصة بلبنان، ما عزز الشكوك عن دور لحزب الله في إغتيال الحريري! كيف تتعايش قوى لبنانية مع حزب وجهت المحكمة الخاصة في قرارها الاتهامي تهماً بإغتيال الحريري الى مسؤولين رئيسيين فيه؟ ومع كل إغتيال وقع في لبنان كان السؤال يتجدد.

ثم كيف تتعايش قوى المحور العربي في لبنان مع حزب، وتشاركه حكومة، وتجالسه في حوار، وهو المصنف بأنه قوة اعتداء على الأمن القومي العربي! بل رأس حربة العدوان الايراني المتنقل من اليمن الى البحرين الى الكويت والسعودية والعراق وسوريا!

والآن كيف تتعايش هذه القوى مع الحزب الذي صنفه العرب، حزباً إرهابياً، مع كل ما يترتب على هذا التصنيف حيال العلاقات العربية اللبنانية.

الرغبة العميقة التي يعبر عنها هذا السؤال الشعبي في اوساط البيئة المخاصمة لحزب الله، هي الإنفصال عن الحزب وبيئته وجمهوره وأفعاله وتبعات افعاله. وأكاد أجزم أن الرغبات الانفصالية، عند هؤلاء، ورغبات الطلاق مع حزب الله وربما التقسيم، هي نزعات ذات شعبية واسعة ومتنوعة تتجاوز بيئات مسيحية عتيقة في ميلها التقسيمي والانفصالي.

وما التقطع الذي تشهده العلاقة السياسية بين “المستقبل” وحزب الله الا تعبيراً عن التعايش الصعب معه. فتارة توضع شروط على مشاركة حزب الله حكومة واحدة، لا تلبث ان تسقط بفعل مستجدات أمنية، كان آخرها إغتيال الوزير محمد شطح، الذي أفضى دمه الى ولادة حكومة تمام سلام. وتارة توضع شروط على الحوار مع حزب الله، لا تلبث أن تسقط هي الاخرى، نتيجة مخاوف أمنية هنا وهناك! واليوم يستمر الحوار مع حزب الله للاسباب الموجبة نفسها، وبدفع من الخوف من ترجمة الطلاق المرغوب شعبياً، الى إنهيار أمني، ما يخلق مناخاً يملك فيه حزب الله اليد العليا.

الحقيقة أن ما يحكم علاقتنا بحزب الله، كناس ومواطنين وقوى سياسية متخاصمة معه، هو التكاذب. نحن نكذب عليهم وهم يعرفون أننا نكذب. وهم يكذبون علينا ونحن نعرف أنهم يكذبون.

يكذبون في الحوار ونكذب في الحوار. يكذبون في الشراكة ونكذب في الشراكة. ونكذب عليهم في الاستنكار ويكذبون علينا. وهم يعلمون ان رأينا فيهم اسوأ مما صدر عن مجلس التعاون ووزراء الداخلية العرب ونحن نعلم أنهم يعلمون.

نكذب عليهم ونقبل كذبهم لأنه بالكذب وحده استطعنا ان نصون بلدنا من اللحاق بالانهيار الكبير في المنطقة، وهو أفضل بكثير من المصارحة التي ستنقل الحرب الاهلية من حرب باردة الى حرب ساخنة لا تبقي ولا تذر.

كذب الرئيس فؤاد السنيورة حين خاطب مجلس النواب يوماً بالقول "اننا لم نسم المقاومة ولن نسميها الا المقاومة”. وكذب حزب الله ويكذب في كل مرة، تهدأ الامور، ويتحايل فيها على وصفنا بالادوات الاسرائيلية، كسياسيين واعلاميين وناشطين وبيئة كاملة!

ونكذب اليوم حين لا نعتبر حزب الله حزباً إرهابياً. ويكذبون اذ يشيدون بهذا الموقف بوصفه تعبيراً عن “وطنية اصيلة” يرونها فينا!

ووسط حفلة التكاذب المتبادل، نتابع الانتخابات الايرانية وفوز الاصلاحيين فيها ونحسبها، خطأً أو صواباً لا يهم، خسارة لحزب الله في لبنان وان السقوط المدوي لرجل الدين المحافظ محمد تقي مصباح يزدي، في انتخابات مجلس الخبراء، هي سقوط لأمين عام حزب الله حسن نصرالله شخصياً. ونتابع أخبار الثورة السورية وتورط الحزب فيها، ونقول في سرنا، أنه أحسن التورط، وأحسن إستنزاف نفسه، ونحسب سقوط إدلب سقوطاً لمقر الأمانة العامة في حارة حريك!!

حزب الله يعلم ذلك. ونعلم أنه يعلم. لكننا نكذب ويكذب. نكذب لأننا نراه يسير الى حتفه ولا نبتغي صرف إنتباهه عن الإنتحار، ويكذب لأنه يريد حماية ظهيره ظناً منه أن انتصاراً ما ينتظره في الافق. وبتكاذبنا تستمر البلاد. بائسة، متعثرة، بليدة، لكن موجودة في موسم سقوط الاوطان والدول والكيانات!

لننتظر ونرى. وفي الاثناء، لنكذب ونحسن الكذب.

مجدداً. إنها الحرب الاهلية يا عزيزي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها