يحيى: الشبيحة في لبنان أيضاً

جاد حجارالأحد 2016/11/13
يحيى.jpg
انتقل يحيى من إدلب إلى الشام ثم إلى شحيم (إدلب/ Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر
حين انتقل يحيى من إدلب إلى الشام، في العام 2013، اختار دراسة العلوم السياسية، لأنّ شيئاً ما في البلد قد تغيّر. ربما كان انشاء حساب على فايسبوك، تبادل من خلاله مع شباب من داخل سوريا وخارجها كثيراً من الأفكار والمقالات، دافعاً من أجل النظر إلى ذلك المكان البعيد.

لم يكن أحد من عائلة يحيى يشجّع أفكاراً كهذه، خصوصاً شقيقه حسام، الضابط في الجيش العربي السوري، الذي كان أهدأ من أن يشارك في ثورة. يتبع حسام منطقاً يقول إن الناس لا تقاتل في إدلب إلّا دفاعاً عن أراضيهم الزراعية ولحماية ماشيتهم. وطالما أن الطريق إلى تركيا مفتوحة، فلا حاجة لهم إلى اللعب في أمن المحافظة.

لم يستسغ يحيى هذا المنطق. بهدوء قصد الشام وانتسب إلى كليّة العلوم السياسية، لا من أجل تغيير الأنظمة أو القيام بثورة، إنما ليعبر إلى مساحات وأفكار لا ذعر فيها ولا تلقين.

لم تكن الحياة في مدينة دمشق مألوفة، لكن يحيى وجد نوعاً من الاستقرار الذهني لمتابعة محاضراته. لا معارك هنا قريبة من سكنه وجامعته، إلا أن الهدوء الذي يغلف المدينة كان بفعل ترسانة الأسلحة الموّجهة إلى كلّ ما يجري في الخارج. بينما أصبحت إدلب ميدان المعارك. أُخرج الجيش السوري من المحافظة، ومنع يحيى، كما شقيقه، من زيارة العائلة في إدلب. وكان حسام يعيش صراعاً هو الآخر، بعدما أصبح مطلوباً في قريته، لكونه ضابطاً في الجيش السوري، في حين أنه كان يعامل في الجيش بطريقة سيئة، حيث وضع تحت المراقبة بسبب أصوله. ما زاد الوضع سوءاً.

كان حسام أول من شجّع يحيى على الهرب إلى لبنان، تفادياً للخدمة العسكرية التي لن يتمكن أحد من إعفائه منها. وقبل يومين من تاريخ تسليم نفسه إلى الجيش لتأدية خدمة العلم، اتّخذ يحيى قراره. ساعده أحد أقربائه العاملين في لبنان للحصول على كفيل لبناني، وبعد رحلة طويلة وصل إلى شحيم، إحدى قرى إقليم الخروب.

سكن في غرفة كان قد شيّدها ابن عمّه عيسى، مع 5 من أولاد أعمامه، الذين يعملون في البناء منذ أكثر من خمس سنوات. كان عيسى مسؤولاً عن توزيع المهمّات بينهم. في الشهر الأول تصدّعت كل طموحات يحيى وثوابته عن العلاقات بين الأقارب.

غرفة مساحتها لا تتخطّى العشرين متراً مربعاً، ينام فيها كلّ يوم، بالحدّ الأدنى، 6 أشخاص، وتشهد على تلزيم أعمال وسمسرة لنصف سكّان القرية. الجميع ينهش الجميع هنا. وعيسى يرعى وينظّم كل شيء، على الطريقة العشائرية في إدلب: رأس واحد يدبّر ويقرّر مصلحة العشيرة. والآخرون هم جنود لحماية المصلحة الفردية ومصلحة الجماعة. أمّا المال فللأهل في سوريا.

قرّر يحيى أن يواجه بهدوئه تلك التغيرات. وجد لنفسه سريراً على ظهر الغرفة، لينعزل عن أفراد القبيلة الّتي تعمل بفوضى وكذب يتناسب مع عيشها اللبناني. استمد من حبيبته سوسن، الدافع اليومي الذي ساعده على الاستمرار ومحاولة إيجاد مهنة يعتاش منها. قرّر أن يصبح دهّاناً. سمح له هذا بتدبير مصروفه، وجمع القليل من المال من أجل خطبة سوسن والمجيء بها إلى لبنان من أجل الزواج.

بعد سلسلة من المشاكل والنزاعات قرّر الكفيل طرد الجميع من الغرفة. شعر يحيى أن شمله بقرار الطرد ليس عادلاً. لم يكن طرفاً في اللعبة الدائرة، التي استمرت بعد انتقال المجموعة إلى مسكنٍ آخر. قرّر يحيى التمرّد ومواجهة زعيم المجموعة، أي عيسى، الذي كان مفوّضاً من والده (الأخ الأكبر في إدلب) رعاية الجميع.

انتهى الصراع بقطيعة بين الشقيقين وأسرتهما في سوريا ولبنان. عليه، أعطت العشيرة يحيى 24 ساعة ليترك المنزل، وأنكرت حقّه بأمواله التي كانت بحوزتها.

علم يحيى عندها أن عليه شقّ طريقه وحيداً. وجد لنفسه عملاً في مزرعةٍ للخواريف. خاض تجربة لم يكن يتوقعها. هو الشّاب الذي أتم البكالوريا وانتسب إلى الجامعة، كان قد رسم لحياته منحىً مختلفاً تماماً، ولم تسعفه سوى خبرته في تربية الماشية خلال طفولته الإدلبية.

في البدء خجل من إخبار سوسن بعمله في المزرعة والدهان. لكنه قرّر أن يصارحها أنها ستعيش معه في مزرعة، ويمكنها الاستمرار في الدراسة. أمّا هو فسوف يكمل ما يفعله ضمن ما فرضته ظروف الحياة عليه.

رنّ هاتف يحيى أثناء عمله في إحدى الورش. جاء صوت سوسن: "أختي متوّجهة إلى بيروت، انزل فوراً إلى الكولا واهتم بها". ترك الورشة، وتوجّه إلى بيروت. أنزله سائق الفان عند السفارة الكويتية، وقال له "أوراق الفان غير قانونية، لا أريد التوجّه إلى الكولا، دبر حالك هون".

خلال نزوله، أمسك به فجأة شخص بعضلات مفتولة: "فرجيني وراقك ولي". أبعد يحيى يدي الشخص وطلب منه التعريف عن نفسه. بحركة غاضبة امسك أحدهم قميصه: "ما خصّك ولي، عم قلّك فرجيني أوراقك. أنا الأمن هون والوضع ما منيح. فرجيني أوراقك أحسنلك". ثم سحبه 4 أشخاص إلى مكان معزول وبدأت اللكمات تنهال عليه. سرعة الحدث كانت كفيلة بجعل يحيى يصرخ "لست مجرماً. سلّموني للأمن. إلى أي جهاز أمن ترغبون. ما عملت شي، أوراقي نظامية، خليني احكي كفيلي عالقليلة".

أخذ أحد الشبان هاتفه ومحفظته، وأمره بالتسمر على الحائط. انتفض يحيى: "أنا مو مجرم، مو رح أبرم. سلموني للأمن". لكمه أحدهم على فمه، فبصق دماً. وقال له آخر: "تفه على شرفك وليه".

من فتح هاتفه لم يجد غير صور لخطيبته وشقيقه الضابط واقفاً في بذلته العسكرية، فوق الدبابة. "خيّك بالجيش؟ ليه ما قلتلنا. انت كردي؟". يجيب يحيى بنعم، مع أنّه ليس كرديّاً. انتهى "الالتباس"، ثم أوصلوه إلى مستشفى رفيق الحريري الجامعي. برروا له ما فعلوه بـ"التهديدات والانفجارات"، وأعطوه 50 ألف ليرة ليتعالج بها، وطلبوا منه ألا يخبر أحداً بما حصل.

اتصّل يحيى بكفيله وسأله إذا كان قادراً على المجيء إلى المستشفى، لأنّه تعرّض لحادث. قبل مجيء الكفيل أدخله ممرض غرفة الطوارىء ليقطّب جرحه، وقال له إنّه يعرف أن آثار الدماء غير ناتجة عن حادث، "سأعالجك وعندما تخرج، غادر مع كفيلك كي لا تتعرض لأي تحقيق أو إزعاج". "إنهم شبيحة، متل اللي بالشام. أرادوا أن يذلّوني، لكن ما وقفت عالحيط. لست مجرماً. منيح ما قتلوني، والله ما كان حدا درى فيي"، يقول يحيى لكفيله عند مجيئه.

تمنّى يحيى لو يستطيع العودة إلى إدلب، ويزرع ويرعى الماشية. لكنّه تذكّر ظلم العشيرة هناك. تمنّى لو أنه مازال طالباً في الشام، لكّنه تذكّر خدمة الجيش الإجبارية. تمنّى لو لم يحبّ سوسن، لكنّه تذكّر دافعه إلى العمل. مسح دموعه وشدّ ظهره المنحني من الخيبات، بعد وصوله إلى الكولا، وأعطى الورد التي اشتراها لسوسن إلى شقيقتها، وقال مبتسماً: "بعتذر عالتأخير بس عملنا حادث".

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث