آخر تحديث:17:11(بيروت)
الجمعة 23/01/2015
share

"أنصار الله" و"حزب الله": بين القومتين

وسام سعادة | الجمعة 23/01/2015
شارك المقال :
"أنصار الله" و"حزب الله": بين القومتين المعطيات اليمينة أسهل للحوثيين من الخارطة اللبنانية لحزب الله (تصوير: عزيز طاهر)

المقارنة بين "الحوثيين" وبين "حزب الله" ضروريّة، لكن الركون اليها، وحدها يدخلنا في أخطاء كثيرة.

فعلاوة على أنّ اليمنيين يقدّرون بخمسة أضعاف اللبنانيين، والزيديين غير الاثني عشريين، فليس هناك نموذج تنظيمي للأحزاب والفصائل الموالية لإيران في المنطقة يشبه النموذج التنظيمي مثلاً التي استقرّت عليه الأحزاب الشيوعية لعقود مديدة، ولا نموذج واحد للتشكيلات المسلّحة العربية يقترب من نموذج "الحرس الثوري الايراني" نفسه. وربما كان "الحزب" هو أقرب الفصائل الموالية لايران لنموذج التنظيم الهرمي المركزي، لكن أيضاً ينبغي الاحتراس قبل الاسترسال في تقدير مركزيّته، ذلك أنّه مطعّم أكثر مما يتخيّله المرء بحسابات القرابة والولاءات العائلية والمحلّية.


أوّل ما يجدر القيام به عند مقاربة ظاهرة "حزب الله" هو التنبّه قليلاً الى انّ الصورة التي يحبّ ترويجها عن نفسه كحزب مركزيّ، وعن تشكيلاته القتالية كمجسّدة للضبط النظاميّ الفولاذي، انما هي صورة منشودة ومرغوبة أكثر منها صورة واقعية لما هو عليه الشأن. 
والمفارقة مع الحوثيين تبدأ من هنا: الفصيل الأكثر فوضوية بالمعنى التنظيميّ للكلمة، بين الفصائل الموالية لايران في المنطقة، اي حركة "أنصار الله" الحوثية، سبق الفصيل الأكثر تنظيماً، كـ"حزب الله"، في موضوع السيطرة على العاصمة ومركز جهاز الدولة. فهل أن التركيبة اللبنانية أصعب على الحزب مما هي التركيبة اليمنية على الحوثيين؟


تبرز في هذا الصدد الجغرافيا المذهبية كمعطى أوّل. في مقابل، جغرافيا الانتشار الشيعي المنتشر على الخارطة اللبنانية، وغير المتصل ببعضه البعض، من ضاحية الى بقاع الى جنوب، فان الجغرافيا الزيدية متصلة ببعضها البعض على امتداد الهضبة اليمنية من صعدة وعمران حتى صنعاء، والقسمة المذهبية هي اذاً قسمة جغرافية، بين شمال وجنوب "اليمن الشمالي" سابقاً. من هذه الزاوية، نحن أمام معطيات يمنية أسهل للحوثيين مما هي الخارطة اللبنانية لـ"حزب الله". في الوقت نفسه، نحن أمام تركيبة أصعب: السيطرة على العاصمة اليمنية لا يفتح الطريق أبعد من منتصف الطريق بينها وبين تعز، الا اذا كانت النية افتتاح حرب دموية تمتد لسنين وتأتي على معالم الكيانية اليمنية المضمحلة لكن الباقية الى الآن. اذاً، السؤال "لماذا تمكّن الحوثيون مما لم يتمكّن منه حزب الله" هو سؤال مشروع من ناحية، وغير دقيق من ناحية أخرى. نعم، الوضع اللبناني لا يزال يحرم "حزب الله" من مشهدية انتصارية واسعة في الداخل تحاكي النموذج الحوثيّ. وعملية ٧ ايار، بحكم كونها تجربة سيطرة بالنار على بيروت من قبل عسكر الحزب، الا انها شملت بيروت الغربية دون الشرقية، بل انها اعادت الاهمية، وقتذاك، لخط التماس هذا. والجيش اللبناني، بخلاف الجيش اليمني، لم يكن في حرب استنزاف طويلة مع التشكيل الموالي لايران، بل انه جيش كثير التشديد على اتفاقه الاستراتيجي مع "حزب الله"، أما الجيش اليمني، فانتقل من مرحلة محاربة الحوثيين شمالاً وتنظيم القاعدة جنوباً، الى مرحلة التآكل شمالاً وجنوباً.


في اليمن، كما في سوريا والعراق، في سياقين مختلفين آخرين، ما يظهر ان الدولة اللبنانية، وجهازها ومؤسساتها، على الرغم من رخاوتها، وضعفها وتخلّعها وتفشيّ حالات التعطيل والفراغ وصولاً الى الشغور الرئاسي المستفحل، كانت كدولة أكثر مراساً وقدرة على الاستمرار، بصرف النظر عن كثرة استحضار اللبنانيين لقولتهم اليومية "ما في دولة". تفكيك هذه الدولة او السيطرة عليها، أصعب من تفكيك الدولة السورية مثلاً، التي اندثرت الى حد كبير في حين بقي النظام، ومن تفكيك الدولة اليمنية، حينما قرّر نظام علي عبد الله صالح معادلة "انزوي وآخذ معي شبهة الدولة".


في الوقت نفسه، "حزب الله" يفرض معادلة هيمنية حتى على المناطق اللبنانية التي  لا يقيم عسكره فيها، هذا بخلاف الحوثيين، فحيث ليس للحوثيين موطأ ليس لهم أمر، وحيث ليست هناك كثافة زيدية ليست هناك بعد امكانية لتصدير "الثورة الحوثية". سوى ان، المشكلة، انّ ثمة معادلتان عدميتان في الشأن اليمني، لا واحدة. هناك اولاً، بطبيعة الحال، المعادلة الحوثية، التي تحكم بتقطع أوصال الكيان اليمني، وصيرورته كيانات ليس لأي منها القدرة على تنظيم أحواله بنفسه والعيش بسلام. وهناك المعادلة الاقليمية المعنية بالشأن اليمني، وبمحاربة الحوثيين، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الاخوان المسلمين في اليمن، ولا تريد الاشتراكيين ولا الحراك الجنوبي، وطبعاً لا تريد تنظيم القاعدة، وما دام علي عبد الله صالح تواطأ مع الحوثيين فانها لا تريد ان "تلعب معه" من جديد. في مكان ما، تلك المعادلة مسؤولة عما وصله الحوثيون من شأو، كما هي مسؤولة بعمق، في المقلب الآخر قوى الثورة الربيعية اليمنية التي تأخرت كثيراً عن الارتفاع الى سقف التحدي الذي يفرضه التنوع الجغرافي والمذهبي اليمني.


يبقى ان المقارنة بين "انصار الله" و"حزب الله" لا تقتصر على المقاربين، ولا على الأخصام، بل هي بمثابة الخبز اليومي للفصيلين اليمني واللبناني. واذا كان يمكن للمراقب نقد المقارنة وادراك حدودها، وضرورة عدم الاسترسال بها على طول الخط، فانّ الأمور ليست كذلك على خط "حزب الله" - جماعة الحوثي. هنا، رغم كل ما سبقت الاشارة اليه، سيبقى للسؤال الفطري، البسيط، مطرحه، في بيئة الحزب: لماذا قامت قومة الحوثيين ولم تقم قومتنا بعد؟!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها