آخر تحديث:09:14(بيروت)
الجمعة 16/01/2015
share

الكنيسة المارونية بعد انمحاء "زمن السرْد"

وسام سعادة | الجمعة 16/01/2015
شارك المقال :
الكنيسة المارونية بعد انمحاء "زمن السرْد"
هل ختمت بكركي أحاديثها؟

ليس جاري الكلام طبعاً عن اعتصام سيّدها بحبل الصمت. فالاسهابْ صفة للبطريرك الحالي كما كان الاقتضاب من صفات البطريرك السابق. وكلّما تمادى الشغور في الكرسيّ الأوّل في الدولة فمن حكم المؤكّد أن الكنيسة سترفع أكثر وأكثر الصوت، وتطلق المبادرات وتفتح صرحها للقاءات. 
لكنّ "زمن السرْد" نفسه، نخشى أن نقول أنّه توقّف. فالكنيسة المارونية جسّدت في تجربة "الجمهورية الثانية" ضرباً من "حزب طليعيّ"، وليس فقط "مؤسسة حاضنة". الى مرحلة قريبة، لكنها انقضت، كان يبدو مجلس المطارنة بحكم اللجنة المركزية، وجرت فيه الحياة السياسية للكنيسة على ايقاع المؤتمرات الناظمة للحياة في الأحزاب الشيوعية. فما قبل المؤتمر ليس كما بعده، (طبعاً، بالمعنى الأوسع، المؤتمرات الحزبية هي وريثة المجامع الكنسية). وهذا ينطبق تحديداً على فترة "السينودس من أجل لبنان" المفضية الى الارشاد الرسولي، وزيارة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، كما على الانعطافة الفاصلة التي شكّلها بيان أيلول ٢٠٠٠ الصادر عن مجلس المطارنة، والذي لعب دوراً محورياً في تأجيج الضغط باتجاه اخراج القوات السوريّة، وبدا كتطبيق "سياسيّ" للمقرّرات "النظريّة" التي أرساها الإرشاد.

وبعد بيان أيلول الشهير، تواصل المشهد المؤتمريّ من خلال تجربة لقاء قرنة شهوان برعاية مطران من الكنيسة. ثم، اذ تراجع المشهد المؤتمريّ، ظلّت مواقف سيّد الصرح هي التي تميّز قبلها عن بعدها. عدم اجازة اسقاط الرئيس الممدّد له اميل لحّود في الشارع. استعارة مجلس المطارنة لغة اسلامية مذيّلة بعبارة "وقد أعذر من أنذر" اعتراضاً على القانون الانتخابي المعتمد عام ٢٠٠٥. الاعتراف بالأمر الواقع "أصبح لكل طائفة زعيماً"، أي مسيحياً بزعامة العماد ميشال عون.

ليس بالمستطاع التقدير في المقابل، الى أي حدّ لعب موقف البطريرك بطرس صفير عشية انتخابات ٢٠٠٩، وحديثه عن خطر يتهدّد الكيان، دوراً في ترجيح الكفّة لصالح لوائح ١٤ آذار، أو أنّه لعب دوراً في اظهاره كمنحاز سياسيّاً إلى قسم دون آخر، بما سرّع في تغيير رأس الكنيسة. 

وحتى في مرحلة بشارة الراعي، واصلت المواقف البطركيّة "زمن السرد" الى حين. فالموقف المتحفّظ بل السلبيّ من "الربيع العربي"، وتحديداً من الثورة السوريّة، أسالَ حبراً كثيراً، والحالة المؤتمرية "القرنة شهوانية" انعقدت مرة جديدة، انّما كحالة اعتراض على مواقف البطريرك، من خلال "لقاء سيدة الجبل". يبقى أنّ موقف الكنيسة المارونية ظلّ "معتدلاً" اذا ما قورن بالكنائس الأخرى "الدفاعية" و"الدفاعية هجومياً" عن النظام السوريّ، وتشاؤمية بشارة الراعي من الربيع العربي في سنته الأولى أصبحت "أكثر من عادية" اليوم. أمّا "تحالف الأقليات" الذي يجاهر بعض المطارنة بحماستهم اليه، فلم يكن وارداً بأنْ تعتنقه الكنيسة، وهي فرع من الكثلكة، ولا أن تسير بمفاضلة لاهوتية وحزبية بين السنّة والشيعة .. أو ربّما كانت جرعة "تحالف الأقليات" أكبر مما تحتمله "الأقليّات المسلمة"، عندما قرّر البطريرك الراعي الذهاب الى القدس في سياق الزيارة البابوية، ومدّد الاقامة بزيارة رعوية خاصة ضمن الأراضي المقدّسة.

بعد هذه الزيارة أخذ "زمن السرد" ينحسر، فبعد ربع قرن من صخبه، شاخ مجموع المطارنة. تداولُ الأجيال لم يعرف له طريقاً اليهم، وهذا بعضٌ من الركود الوطنيّ العام. يزيده طبعاً عدم ظهور "لاهوتيين نقدييين شبّان" داخل الأكليروس، يمكنهم، أقلّه، أن يستظلّوا بمواقف البابا الحالي، للمطالبة بالتغيير.

مدّد للمجلس النيابي الحالي مرّتين الى الآن. استفحل الشغور الرئاسي في وقت ينتظم فيه عمل الحكومة الحالي، وربّما هي أكثر مرة ينتظم فيه عمل حكومة في لبنان منذ الاستقلال عن فرنسا. أما الكنيسة فعملها منتظم لكنه يوحي بالشغور .. السرديّ! 

كانت الكنيسة المارونية هي "الحزب الطليعي" في ربع القرن الأخير. والحزب الطليعي على الطريقة الشيوعية يفرز مقرّرات من ثلاثة أنواع: نظري، سياسي، وتنظيمي. التقرير النظري الأمثل كان "الارشاد". التقرير السياسي النموذجي كان بيان أيلول ٢٠٠٠. أما التقرير التنظيمي الحقيقي فلم يصدر بعد. لن يصدر قبل أن يُنظر فاتيكانياً في حال كبرى جماعات الشرق الأوسط الكاثوليكية من زاوية "ادارية بحتة"، ويقال لها: مجلس مطارنة لا يكون نصف أعضاءه دون سنّ الخمسين لم يعد جائزاً في هذا القرن. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها