آخر تحديث:15:38(بيروت)
الإثنين 08/09/2014
share

السبت الأسود.. وما يليه

منير الربيع | الإثنين 08/09/2014
شارك المقال :
السبت الأسود.. وما يليه مشهد الحرب يجدد نفسه (تصوير: المدن)

يعود المشهد المأسوي إلى أيام قيل إنها مضت. أيام يبدو أنها اختبئت في النفوس. غطته سنوات من التجميل والتزييف، لكنها، وعند أي احتكاك، سرعان ما يتمزّق الغشاء، لتظهر الأمراض دفعة واحدة.

ما جرى في اليومين الماضيين، إشارة إلى ما ستحمله الأيام المقبلة. كالنار في الهشيم، انطلقت الأعمال الميليشياوية؛ قطع للطرقات، حواجز خطف على الهوية والجنسية، اعتداءات على العمال والمدنيين السوريين من الضاحية الجنوبية لبيروت إلى البقاع ومناطق أخرى، أعمال تهجير، ولا من يتحرّك، التجميل لم يعد ينفع.

الأيام السوداء تعود مسرعة من دون أن يحاول أحد ردعها أو تأجيلها بالحد الأدنى. بعض أحداث اليوم تشي بأن التاريخ يعيد نفسه، تتكرر الأحداث، وشاءت الصدف هذه المرة أن يجدد الحدث ذاته بالشكل واليوم وإن اختلفت ظروفه؛ إنه السبت الأسود، لا أحد لا يعرف هذا اليوم وما جرى فيه أيام الحرب الأهلية.

جدد النهار المشؤوم نفسه مع خبر ذبح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للجندي اللبناني عباس مدلج، انتشر الخبر، ووزّعت صور الذبيح الشهيد، سارعت عائلته إلى اعتباره شهيداً للوطن ككلّ وللمؤسسة العسكرية. ولكن هناك من أراد أن يحصر شهادة مدلج بطائفة معيّنة أو مذهب معيّن لا بل بيئة من ضمن هذا المذهب، بكبسة زر بدأ التحرّك.

أخذت التحرّكات شكلاً تنظيمياً وإن جرت محاولة إلباسها لبوس العفوية. انطلق مسلسل قطع الطرقات وإنتشار المسلّحين في البقاع على الطريق العام من أبلح وصولاً إلى الهرمل؛ تدقيق بهويات المارّة إعتداءات على المنتمين إلى المذهب النقيض، خطف وإعتقالات، وخطف مضاد. كل هذه الأعمال كانت تحت عنوان التضامن مع الجيش، والخطير أن منفذيها ومخططيها تقصّدوا أن تجري بالقرب من حواجز الجيش، أفرطوا في تضامنهم معه كما أفرطوا في توريطهم له. بدأت أعمال التهجير، هجّر النازحون السوريون من مخيماتهم التي تقع في مناطق شيعية إلى مناطق سنيّة بحثاً عن الأمن في عراء لا حدود له. لبنانيون سنة يقطنون مناطق شيعية لجأوا إلى معارفهم في هذه المناطق بحثاً عن الحماية. وصلت الرسالة التي أرفقت بدعوات إلى ضرب عرسال وتدميرها، مع خطف إحدى العشائر لأربعة من أبناء عرسال، للضغط من أجل الإفراج عن العسكريين، وفي السياق خطف المواطن أيمن صوان في بعلبك قابله خطف مشابه من قبل أبناء منطقته سعدنايل وقطع للطرقات.

تلقفت بعض المناطق في بيروت الشرارة، قطع للطرقات وخطف للسوريين. نزل شبان بطريقة مسعورة إلى الشوارع، وتحديداً على طريق المطار؛ نكّلوا بالأشقاء، أكثر من 56 مواطناً سورياً أصيبوا بجروح نتيجة هذه الإعتداءات، فضلاً عن المئات الذين تعرضوا لإعتداءات معنوية، في بربور على سبيل المثال لا الحصر.

هو الواقع المؤلم، حالة تشبه الحرب، طغى الدخان في الأجواء، لبس الغيم الأسود، وعلى الأرض شققت الحرب المذهبية سكون المساكنة اللبنانية. وإذ تتكرر ظروف الحرب الأهلية، يعوّل الداخل على الخارج، يربط البلد ومصيره بمعادلات أحلاف إقليمية، وهذا ما يعيد شريط الأحداث. جزء منهم يطلب من قوة خارجية التدخل مع الدولة لمحاربة الإرهاب. يأتي الإرهاب ويقول إنه هنا رداً على إرهابه هناك.

سرعان ما يلتحف لبنان بثوب الفتنة. يتيبّس الشعور الإنساني لينمو الحقد. يستمر الوعي في غفوته.. وليل الظلم يطول.. لم تغب شمس السبت الأسود.. والليل يستمدّ سواده من سحب الدخان المقطع للأوصال. يترك اللبنانيون لقدرهم الأسود، ولا من يرفع عنهم سيف الذبح والرصاص الذي تحول من جنوب إلى شرق وشمال. هي الأخطاء القاتلة حيث لا مجال للمجاملة، بنيتنا المجتمعية هي المسؤولة، ولا مجال لإلقاء اللوم على الآخر، وتحميله المسؤولية "إستشراقياً".

 


شارك المقال :