آخر تحديث:23:22(بيروت)
الخميس 29/08/2013
share

أما آن لنا أن نفيق؟!

النقيب رشيد درباس | الخميس 29/08/2013
شارك المقال :
بعد أن زلزلت الأرض زلزالها، وانفجرت الصلاة في المسجدين، ولاقى كثير من المؤمنين وجه ربهم أثناء الابتهال إليه، آن لنا ان نفيق.
في هذه الكلمة، لن أستنكر، ولن أستمطر اللعنات على الفاعلين وشآبيب الرحمة على الراحلين، بل سأكتفي بأن أعرض للقارىء شريطاً سريعاً عن تطور الحال في مدينة طرابلس من عين رجل دخل العقد الثامن من العمر،  ومازالت ذاكرته ملأى بالاحداث كأنها وقعت بالأمس، ومازال قلمه قادراً على التشخيص والإشارة الى الأشياء  بأسمائها الحقيقية.
 
لقد تفتح وعيي السياسي في حركة القوميين العرب،  وكأني بطرابلس يومها، قد ندبت نفسها لتكون عاصمة القومية العربية، إذ مشينا في مظاهرات متتالية من أجل تونس والمغرب والجزائر، واشتركنا بحناجرنا وعواطفنا في حرب السويس، "وَمَنَعْنَا" عبد الناصر من الاستقالة ومشينا في جنازته كأن جثمانه قد ووري الثرى في جبانة باب الرمل...
 
وقبلها كانت طرابلس عاصمة  الاستقلال، قدمت  نخبة شبابها طعاماً لجنازير الدبابات الفرنسية، ولكنها في الاساس كانت عاصمة الشمال، فيها يسكن زعماء زغرتا والكورة وعكار والضنية وبشري، وكانت حوشاً واسعاً لمدراس الإرساليات، وكانت عقدة الطرق، وسوق الأقضية، ورحابة نهاراتها، وسمر لياليها، ومركزاً للثقافة والشعر والفن، ومثالاً للنظافة والأناقة والامتثال لتطبيق القانون. 
كان حفنة من تلامذتها الثانويين، يشكلون قلقاً للزعامات السياسية، وكانت حيويتها بشيراً لفجر لبناني جديد...
ولكن ذاكراتي ما زالت مخضبة بدماء الأبرياء التي سُفِحَتْ عبثاً بإسم الثورة الفلسطينية، فيما كان الأدعياء يحولون تلك الدماء الى أرصدة في البنوك ومظاهر إرهاب كانت بداية قهر الارادة الوطنية النقية الحرة.
 
 صارت شوارعنا وأزقتنا تحت رحمة "أمن فتح وبقية الاقطاعات الأمنية" التي استباحت سيارات المواطنين لمصلحة الثورة. وعندما حصل الاجتياح الاسرائيلي الذي احتل العاصمة، لم يخجل  "أنصار العروبة" بأن يفتحوا على حسابهم، وفي الوقت عينه، حرباً خصوصية بين التبانة وبعل محسن، هذا يقصف "العرفاتيين المنحرفين"وذاك يقصف "النظام المتواطىء على الثورة الفلسطينة" وكلاهما في الحقيقة يقصفان بُنَى المدينة المعنوية والاخلاقية ويسترهنان ارادتها، ويحجران أبناءها في بيوتهم ذعراً وخوفاً، ويذلانهم في طوابير الطحين والبنزين، ويجعلان ليلهم دامساً وفجرهم قلقاً؛  وراح يتناوب عليها  المتناوبون، فحلَّ " التوحيد" مكان فتح، وأنشأ "الامارة" وأقام  الحد، فتصدى له " العربي الديمقراطي" بإمارة ضمن الإمارة، إلى ان عاد الجيش السوري "محرراً" للمدينة بعد ان أمطرها بوابله، وتولَّت المخابرات أمر "الإمارات" وتعاملت مع الناس بفتح  ملفات "الغضب والرضا"، فمن هو وطني الآن، يمكن ان يكون "موساد" في الغد، وتدريجياً وجدنا من يحاول أن يخلع عن طرابلس عروبتها الحقيقية، لإلباسها عروبة كلامية زائفة، فزاد الاستشعار بالانتماء المذهبي، وهجرت النخبة المسيحية القادرة والفعالة وكذلك النخب الاقتصادية والمهنية من المسلمين  وانقطعت  الأقضية عن عاصمتها بعد ان اغنتها "الاوتوسترادات" مؤونة المرور فيها، وبعد أن أصبحت تلك العاصمة اسماً لغير مسمى، وذلك لاستكانة الارادة وشلل النخب، وصعود الغريزة، وهبوط الحَمِّية ولاستقالتها من دورها الفكري والثقافي والاجتماعي والوطني الجامع...
 
هذا شريط سريع، ولكنه غير متعسف بإيراد وقائعه، تَعمَّدتُ أن اسرده بدون تنميق لأصل الى أن " عاصمة القومية العربية" الافتراضية، لم تصل الى ما هي عليه من بؤس إلا بعد مسار طويل، استهدفها كما استهدف الحواضر العربية والقصبات، فلقد سمَّمَ هواءها، واستباح روحها، وعبِث بقوانيها، فجعل القيم الوطنية جرائم تُدْخِلُ أصحابها إلى السجون، وتبيح اغتيالهم إذا تعذَّر سجنهم، وذلك لكي تستكين لإرادة الحاكم الذي يلبس ألف  لبوس، لإنه قادر في الوقت عينه أن يكون عدو اسرائيل وصديقها، وممانعاً ومفاوضاً، وعربياً ومذهبياً، وعلمانياً وطائفياً، ولكنه لا يمكن له حتماً ان يكون غنياً وفقيراً في آن، لأنه الغني دائماً وسواد أهل الوطن تحت خط الفقر.
هذه هي طبائع الاستبداد التي عالجها عبد الرحمن الكواكبي وشرح تطبيقاتها المتنوعة، الدكتور محمد علي مقلد، وهذا هو مآل المجتمعات التي ترضخ طويلاً لوحشية تلك الطبائع...
 
أما آن لنا ان نفيق؟!
مدينتنا فقدت أسوارها الخضراء عندما اقتحمت الشوارع حدائق الليمون وانتزعت اليخضور –أي الكلورفيل- من رئاتنا  لمصلحة  ثاني اوكسيد الكربون.
 
مدينتنا فقدت أسوارها الآمنة، عندما شوهوا عروبتها وحاولوا أن يخلعوا ملامحها وينسبوها الى مدينة في أوساط أفغانستان (قندهار)، بل هناك من أشترى قنوات وأقلاماً آلت على نفسها زرع الفتنة وإنتاج بعض المشايخ الجهلاء في أمور الدين والدنيا، وزعماء المحاور،  ليكونوا بألسنتهم  العوجاء، ناطقين باسم من دانت الفصاحة لهم  من أنسال المشايخ نديم الجسر وعبد الكريم عويضة وصبحي الصالح وانور البكري، والاساتذة جورج صراف وسابا رزق  وحسيب غالب  وكوستي بندلي وكامل درويش  ودرويش تدمري واديب سوق ومحمد المفدي، وهذا بحد ذاته أحطُّ مظاهر الاستبداد...
 
مدينتنا تستجدي الدولة صباحاً ومساءً وتقول لها لا بديل عنك، فيما نسمع قادة كباراً يرددون معزوفة ممجوجة عن "الغطاء السياسي" وحاجة القوى الأمنية له، وهذه بكل صراحة حجة المتقاعس والباحث عن مبرر لكي لا يقوم بواجبه، من غير ان يفوتنا التنويه بجنودنا الذين يعانون ويسهرون ويضحّون؛
 
مدينتنا ترفض الأمن الذاتي، بألسنة نوابها ورؤساء بلدياتها وفاعلياتها ونقبائها، وخاصة بألسنة المتسهدفين الثلاثة اللواء أشرف ريفي والشيخين سالم الرافعي وبلال بارودي، ورغم هذا نجد بعض الشاشات "مسكونة بألسنة" أخرى-أعجمية النشأة- تحدث العالم عن دولة اسلامية مزعومة تنوي إقامتها؛
لقد قام الاستبداد بتجريف الأرياف، وترييف المدن لمصلحة اقتصاد طفيلي على حساب اقتصاد  منتج، ولكي يشلَّ  في المدن مراكز تكوين الرأي العام.
 
 عندما أضرم " البوعزيزي" النار في ثيابه التماساً للدفء، انتشر النور من المحيط الى الخليج، وقبله انتفض لبنان في الرابع عشر من آذار من العام 2005 بعد ان أضرموا النار في رفيق الحريري التماساً للظلام.. وبعده اشتعل ميدان التحرير بإرادة الملايين.... 
وانتفض السوريون ليتحرروا من حروف الجر، ويشهروا حروف العطف وحروف الحب، كما راح ياسمين نزار قباني يشتهي الرجعى الى ديوانه، بالرغم من  تعرض " ورد الشام" الى جرعات زائدة من "الكيماوي"، ولكنها ارادة الحياة في كل بلاد العرب، والتي ستكون طرابلس إحدى تجلياتها.
 
علينا أولاً ان نصدق بالممارسة والقول ان الوصاية قد رحلت عنا، وانه لا تجوز الاستكانة لأية وصاية أخرى، هجينة ومُخَلَّقة.
 
علينا أن نتمسك بأهداب الدولة مهما أصابها من تهتُّك.
 
 علينا أن نعيد الاعتبار لجامعتنا الوطنية  التي أنشأها في طرابلس الدكتور عباس علم الدين لنطهرها من آثار تلك الوصاية، وان ننقيها من شبهات الماضي لإن الجامعة مركز لانتاج العلم وليس لإنتاج الأميين... 
 
وعلى السلك التعليمي الرسمي أن يتمَّثل الأوائل من الاساتذة الرسل الذين أنشأوا في مدراس حسن الحجة ورأفت وأنور المقدم وسعدي خياط وفاطمة الحجة وأندريه نحاس و نازك ملك ورأفت الحسيني وإحسان حدبا وسعاد بيطار والدكتور ة منى يكن رحمها الله، عقولاً براقة وأجيالاً لم تفقد حيوية الشباب رغم شيخوختها...
 
علينا ان ننبذ الخطاب الديني والمذهبي المتعصب، وان نترك المسجد لقرّائه ووعّاظه المتنورين يفسرون قول الله وسنة نبيه، وأن يسعى القساوسة على درب مثلث الرحمات البطريرك هزيم الذي جرَّ شلال العلم الى البلمند ليشرب منه كل قاصد مهما  كان دينه، فأنشأ لنفسه ومن والاه مقاماً في الجنة.
 
هذه معالم أشير اليها، علَّها تكون بداية لكي يسترجع المجتمع الطرابلسي حيويته، فيضخُّها  في الأوصال اللبنانية، وهي دعوة أيضاً للقول أن الاستبداد جبان رغم وحشيته، ضعيف رغم همجيته، وأن هزيمته محققة إذا بدأنا  بنفض رهبته عن نفوسنا وإرادتنا....
 
إن من زرع السيارتين الفاجرتين، لم يستهدف أشخاصاً بذواتهم، فهم من أحطِّ أنواع القتلة لا يملكون قلوباً تحزن على من يقتلونهم بلا سبب، وهدفهم  في الاساس أن يقتلوا "السلام" و"التقوى"،  فخابوا عندما أئتلفت الأشلاء، وتمردت الدماء ووقف البطريرك الراعي يتقبل العزاء؛
إنني لعلى الثقة، ان أصحاب المكر  السيء سيخيب ظنهم، عندما تنتفض الحركة الاقتصادية فتعمل المصفاة ، ويستنبت مطار رينيه معوض أجنحته، ويستقبل المرفأ بواخره، وتوضع "المنطقة الاقتصادية الحرة" موضع التنفيذ، 
 
عندها لن يكون بيننا مكان  للفاجرين والمفجرين،  فلقد قال الشاعر قديماً:
والماءُ يَعْذُب ما جرى مْنِهُ...ويَخْبُثُ ما استقرَّا

شارك المقال :