قُتلوا لأنهم علويّون

عمر قدورالسبت 2026/10/03
قوات الأمن السورية حمص (Getty)
تشهد حمص باستمرار جرائم طائفية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قُتلوا لأنهم علويّون؛ هذا هو التوصيف الوحيد للجريمة/المجزرة التي ارتكبها "مجهولون" قبل يومين، على جسر مصياف بالقرب من مدينة حمص. الجريمة ليست بالأولى، فحمص تحديداً تشهد باستمرار جرائم طائفية مشابهة، وفيها حدثت الجرائم الطائفية الأولى بعد سقوط النظام، أي قبل مجازر الساحل في آذار 2025. وحمص، لمن لا يعلم، يتقاطع فيها شمال سوريا وجنوبها، وباديتها وغربها، فضلاً عن أديانها وطوائفها.

 

عقب مقتل سبعة علويين وإصابة أربعة بالجريمة البشعة، نقلت وكالة الأنباء الحكومية "سانا" عن قائد الأمن الداخلي في حمص قوله إن "الاعتداء الجبان محاولة لضرب أمن المدينة"، وتقديمه التعازي لأهالي الضحايا وتعهّده بعدم ادخار جهد في كشف ملابسات الجريمة. لكن جريمة بهذا الحجم، وبهذه المدلولات الطائفية كانت تستحق أن يُهرع مسؤولون من مرتبة وزير على الأقل إلى مكان الحادث، من أجل التأكيد على أن السلطة توليه الأهمية المستحقة. أهالي الضحايا يستحقون التعزية من أعلى مستويات السلطة، لا كرسالة لهم فقط، بل كرسالة جادة إلى القتلة ومن في حكمهم، مفادها الجدية في ملاحقتهم. لعل بادرة من هذا القبيل تمحو صوراً تذكارية لـ"مؤثّرين" طائفيين ظهروا فيها مع مسؤولين كبار، بينما يُحاسب مدون صغير على جملة تعرّض فيها لأحد رجالات السلطة.

ليس لأنهم علويون، إلا أن أية جريمة تمسّ بالسلم الأهلي يجب أن تحظى بمواكبة من المستوى السياسي، لا الأمني وحده، وأن تكون الصرامة الأمنية (في حال وجدت) مظهراً من مظاهر الصرامة في التعاطي مع كافة مظاهر الطائفية. بغير هذا الحزم تكون الرسالة للجناة (ومن بحكمهم) أن بوسعهم ارتكاب المزيد من الجرائم، وتكون الرسالة لأولياء الضحايا (ومن بحكمهم) أنهم مستباحون ومحرومون من العدالة لا لذنب ارتكبوه سوى انتمائهم الديني أو المذهبي.

 

هذه المرة، مع هول الجريمة، لم يجد بعض الطائفيين مبررات للمجزرة الجديدة سوى وضعها في سياق استهداف منشآت عامة للطاقة، لإدراج مقتل العلويين ضمن السياق ذاته، والإيحاء بأن الجهة الفاعلة هي نفسها. وهم بالطبع يتجاهلون سياقاً أوسع من استهداف العلويين، ومن الإفلات من العقاب، فحتى الآن لم تقبض السلطات الأمنية على أحد من مرتكبي الجرائم، ولم يُقدَّم أحد إلى محكمة علنية فيها من الشدّة ما يُنذر الطائفيين بعدم التساهل معهم؛ إذا استبعدنا الاتهامات التي تنصّ على أنهم محميّون من أوساط في السلطة نفسها.

لا يفيد هجاء الطائفية انطلاقاً من موقع وطني، فالطائفيون لديهم من المصالح المباشرة ما يعلو على مصلحة وطنية، ولا شكّ في أن النظام السابق نكّل بقيَم الوطنية كافة حتى اللحظات الأخيرة له، وهذا ما يأخذه الطائفيون الجدد ذريعة لتبرير الجرائم الجديدة. ليس من الحصافة التعويل على الأخلاق والمُثُل، فالأمر يتعلق أولاً بمصالح فئات واسعة يُراد لها الانسياق وراء شعارات وممارسات طائفية بشعة من أجل تحقيق أهداف فئوية أضيق من أن تكون طائفية حتى.

 

يُنسب عمل إرهابي إلى داعش فلا تتأخر القوات الأمنية أكثر من ساعات لتقبض على المسؤولين عنه، ولا تتأخر (مثلاً) عن اكتشاف خلية لحزب الله في جنوب سوريا، وإحباط مخطط تخريبي لها؛ هذه النجاحات تجعل السؤال عن السلم الأهلي أكثر مرارة. السلم الأهلي أيضاً ليس أغنية شجية، يُطرب لها ليلاً وتنسى نهاراً! ودعاته لا يزالون ضعفاء جداً بالمقارنة مع الطائفيين، أصحاب الخطابات الإبادية. الأخيرون بدورهم لا يقدّمون تصورات واقعية، باستثناء ارتياحهم إلى كون القوى الدولية الفاعلة غير مكترثة بنسب منخفضة من العنف الطائفي، وقد سبق لمعظم القوى الدولية التساهل مع المقتلة السورية بدءاً من عام 2011، ولطالما استقوى شبيحة الأسد بعدم اكتراث العالم (كما يجب) بوقف المقتلة. بعملية حسابية بسيطة، ومتجرّدة عن الأخلاق، يلزم عقود من الزمن كي تكتمل الإبادة والتهجير، ومن المستحيل التكهّن بنجاح مخطط الحصول على (مجتمع متجانس) في نهاية هذه المدة الطويلة، أو ضمان سير المخطط على ما يرام في الطريق إليها.

أما في المدى الأقصر (المنظور) فيسعنا التذكير بما قاله وزير سوري قبل أيام، وفحواه أن العالم خذل السوريين أثناء الثورة، ثم خذلهم بعد سقوط الأسد، لجهة أن المساعدات المتوقّعة لم تصل. الوزير خالف بأقواله التصريحات الحكومية المتفائلة على الدوام، والتي توحي بأن المساعدات والاستثمارات الوافدة ستحسّن الأوضاع المعيشية جذرياً خلال وقت قصير جداً. وزير آخر أعلن التقشّف في النفقات الحكومية، أيضاً بعد تلك التصريحات المتفائلة. أي أن الاحتفالات برفع العقوبات على سوريا لا تعكس تحسّناً فعلياً في الأوضاع، وهناك حول العالم الكثير من الاقتصاديات الضعيفة في بلدان غير مُعاقَبة أصلاً.

 

ما تثبته أقوال وتعليمات الوزيرين أنّ محاولات اجتذاب رؤوس أموال بالعلاقات الشخصية للمسؤولين لم تأتِ بمشاريع مؤثّرة، ولا تؤسس لتحسن واستقرار اقتصاديين. ولا شك في أن أوضاع المانحين الدوليين والإقليميين ليست جيدة حالياً، على خلفية الحرب في المنطقة؛ الحرب ذاتها التي هلل لها "المتفائلون" بدعوى حلول سوريا مكان مضيق هرمز كممر لتصدير النفط. والحق أن تصويب الأنظار على حلول خارجية، سواء ما يتعلق بمضيق هرمز أو عدم وصول المساعدات المأمولة، فيه (في الحد الأدنى) تجاهل للداخل غير المشجِّع على مجيء الاستثمارات، أو حتى المساعدات التي هي استثمار من نوع آخر.

يُقال دائماً في هذا السياق "إن الرأسمال جبان، ويهرب من المخاطر". ومن المخاطر الكبرى انعدام السلم الأهلي في أي بلد، فهذا يجعله مهدَّداً في أية لحظة بانفجار كبير يطاول الجميع. الكلام الذي يعتمد عليه أصحاب الرساميل لا يأتي من السلطة، ولا من معارضيها، هو يأتي أولاً من الوقائع على الأرض، وفيها تلك الحوادث التي يعرفها جميع السوريين، بصرف النظر عن موقفهم السياسي الشخصي. ومن الغفلة الظن بأن الحكومات الأجنبية التي تصمت هنا أو هناك لا دراية لها بما يحدث، أو أن أصحاب الرساميل (ومنهم السوريون) لا يعرفون الوقائع، أو لا يدرسون مليّاً البيئة الاستثمارية قبل أن تخطو أقدامهم في أي اتجاه.

 

لقد صار شائعاً أن السوريين المهمومين بقضايا عيشهم غير طائفيين، وهو قول فيه الكثير من الصواب لا لأنهم منشغلون عن الطائفية بمشقّة العيش، بل لأنهم (ولو غريزياً) مدفوعون بالأسئلة التي تمسّ مصالحهم الحقيقية، لا تلك التي يُراد إقناعهم بها طوال الوقت. ففي الأصل، ليس مطلوباً من أحد أن يكون لاطائفياً لأن الطائفية مرذولة، ولا مطلوباً من أحد التعاطف مع أبرياء العلويين بوصفه تعاطفاً إنسانياً محموداً. المطلوب أبسط بكثير: الانحياز إلى لقمة العيش، وعدم السماح للمستثمرين في الطائفية بأن ينطقوا باسم النسبة الكبرى الصامتة من السوريين من دون استشارتهم، أو وضع النظام الذي يسمح لهم بإسماع أصواتهم بلا وجل.

لقد سبق لنجاح الاستثمار الطائفي أن أجهز على بلدين مزدهرين في جوار سوريا، وما لم ينجح في الجوار لن ينجح في سوريا المنكوبة إلا بموجب ما يتوهّم السوري المزهوّ بقدراته وهو محاط بالخراب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث