لم تخرج القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ باتفاقات تاريخية، ولم تشهد تنازلات كبرى في ملفات التجارة أو تايوان أو التكنولوجيا أو حتى في ملف إيران. وبالرغم من ذلك تكمن أهمية القمة في ما كشفت عنه بشأن طبيعة المرحلة الجديدة في العلاقات بين القوتين الأعظم في العالم.
في العلاقات الدولية، لا تقاس أهمية القمم دائماً بحجم الاتفاقات الموقعة في زيارة تاريخية أو لقاء قمة، بل أحياناً بما تعكسه من توازنات القوى والاتجاهات الاستراتيجية. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن قمة واشنطن كانت بمثابة نافذة لفهم مستقبل التنافس الأميركي الصيني على الصعيد العالمي، وفهم كيف يفكر كل طرف منهما في القضايا العالمية.
مع ذلك، يبدو من نتائج القمة، أن هناك أموراً كثيرة ما زالت خارج قدرة أو رغبة الطرفين في تقديم تنازلات حولها، وأبرزها ما يلي:
ملف إيران
في ملف إيران، ترغب الإدارة الأميركية في أن تستخدم الصين نفوذها الاقتصادي للضغط على إيران بما ينسجم مع الأولويات الأميركية. في المقابل، ترى الصين أن الحفاظ على علاقاتها مع إيران هو جزء من مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط والطاقة والتجارة الدولية.
من منظور صيني، لا يقتصر الأمر على الحفاظ على العلاقة مع إيران بوصفها شريكاً اقتصادياً مهماً، بل يتصل أيضاً بمنع تحقيق انتصار استراتيجي أميركي كامل في الشرق الأوسط. فنجاح الولايات المتحدة في تحقيق انتصار واضح على إيران سيحرر جزءاً من الموارد والاهتمام الأميركي وسيغري الرئيس ترامب للانتقال إلى الساحة الآسيوية وتشديد سياسة الاحتواء تجاه الصين، وهو ما يمنح الملف الإيراني بعداً يتجاوز الشرق الأوسط نفسه.
هناك اعتقاد سائد لدى العديد من دول العالم، خصوصاً بعد الحرب الأوكرانية، أن الدول الغربية تمارس الخداع الاستراتيجي. فالروس كانوا قد وُعدوا بعدم تمدد حلف الناتو، ولم يتم الوفاء بهذا الوعد. كذلك يتحدث الروس عن خديعة تعرضوا لها في اتفاقيات مينسك، وقد قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن الاتفاقيات كانت بهدف ربح وقت لتسليح أوكرانيا لقتال الروس. وعليه، تنظر الصين بحذر إلى أي مقاربة قد تدفعها إلى تقديم تنازلات لا تقابلها ضمانات فعلية، حيث تقوم بمساعدة الولايات المتحدة فتدفع ثمنها في جوارها الإقليمي.
ملف تايوان
يبقى ملف تايوان العقدة الأكثر حساسية في العلاقات الأميركية الصينية. تعتبر الصين تايوان جزءاً من أراضيها وترى أن أي دعم سياسي أو عسكري أميركي لها يشكّل مساساً بسيادتها ووحدة أراضيها. في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى تايوان بوصفها جزءاً أساسياً من توازن القوى في شرق آسيا، كما أن موقعها الجغرافي يجعلها عنصراً محورياً في استراتيجية الاحتواء الأميركية في مواجهة الصين.
لم تُحدث القمة أي تحول جوهري في هذا الملف، ويبدو أن الطرفين توصلا إلى قناعة مؤقتة بإدارة الخلاف ومنع انزلاقه إلى مواجهة عسكرية مباشرة، من دون معالجة الأسباب العميقة التي تجعل تايوان أخطر نقاط الاحتكاك بينهما.
التكنولوجيا
إذا كانت التجارة تمثل ساحة الخلاف التقليدية، فإن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باتا يمثلان ساحة الصراع الأساسية للمستقبل. تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، بينما تعمل الصين على بناء منظومة مستقلة تقلل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية.
ومن اللافت أن الطرفين اتفقا على إنشاء قنوات حوار بشأن الذكاء الاصطناعي، وهو ما يشير إلى إدراكهما أن المنافسة التقنية قد تصبح أخطر من المنافسة التجارية إذا تُركت بلا ضوابط.
وبالرغم من النتائج المتواضعة للقمة من ناحية الاتفاقيات المعقودة أو التفاهمات المعلنة، إلا أنها حملت مؤشرات واضحة حول اتجاهات مستقبل النظام العالمي، وذلك على الشكل التالي:
من سباق الهيمنة إلى إدارة التنافس
خلال فترة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، كاد الصراع بين الصين والولايات المتحدة يتحوّل الى مواجهة عسكرية مباشرة، خصوصاً خلال زيارة نانسي بيلوسي الى تايوان، وبعدها حديث بايدن عن استعداد الولايات المتحدة للدفاع عسكرياً عن تايوان. ومنذ عقد من الزمن، يعتقد كثير من مفكري العلاقات الدولية أن التنافس الصيني الأميركي سيصل الى ما يشبه الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.
إن قراءة استراتيجية الأمن القومي الأميركي، ونتائج قمتي شي جينبيغ ودونالد ترامب، وسلوك الدولتين وضبط النفس الممارس من قبلها، كلها تفيد أن الطرفين توصلا -أقلّه في المرحلة الراهنة- إلى قناعة مشتركة مفادها أن كلفة الصدام المباشر أصبحت مرتفعة للغاية. لذلك يبدو أن الهدف المرحلي حالياً بات يتلخص بإدارة التنافس ومنع تحوله إلى أزمة شاملة، أو حرب عسكرية تشبه حرب الاستنزاف المتبادل بين الناتو وروسيا.
عالم يتجه نحو تراتبية واضحة
تكشف القمة وما سبقها والقدرات التي يتمتع بها كل طرف، أن العالم يسير بقوة نحو تراجع الهيمنة الأميركية السابقة، وأن النظام الدولي يتجه تدريجياً نحو التعددية مع تراتبية واضحة للاعبين حيث نجد في أعلى سلم القوة ثنائية أميركية صينية، بدل أن تكون أميركية صرف.
وتختلف هذه المرحلة عن مرحلة الثنائية القطبية السابقة، في أن العلاقة بين الطرفين تمتاز بالاعتماد المتبادل، وأن هناك قوى كبرى أخرى لها وزنها وقدرتها على التحرك الدولي، وأن العالم لا يتحرك باستقطاب أيديولوجي صارم. إذ تمتلك الدول هامش من المناورة والقدرة على الحفاظ على العلاقة مع أطراف متنافسة.
في النتيجة، يمكن النظر إلى القمة بوصفها إعلاناً غير مباشر عن دخول العالم مرحلة جديدة: مسار نحو نظام دولي لم تتشكّل كافة معالمه بعد. أما الصين والولايات المتحدة فقد دخلتا مرحلة جديدة لا تقوم على الشراكة الاستراتيجية، ولكنها لم تصل أيضاً إلى مستوى الحرب الباردة. إنها مرحلة إدارة التنافس طويل الأمد، حيث يصبح الاستقرار نفسه إنجازاً، حتى عندما تبدو النتائج المباشرة محدودة.




