مليار قتيل خلال عقد مقبل وعودة نظام القطبين

عمر قدورالثلاثاء 2026/09/29
الرئيس الصيني تشي جايبينغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب (Getty)
قطبا العالم الرقمي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لقي الزعيم الصيني شي جين بينغ حفاوة مميزة في زيارته إلى الولايات المتحدة، وقد استغرقت ثلاثة أيام في أواخر الأسبوع الماضي. قمة ترامب-شي لم تتمخض عن نتائج مماثلة للحفاوة التي أبداها لترامب، وللعلاقة التي وصفها بالعظيمة مع الضيف الصيني. يمكن تلخيص النتائج، كما أجمع على ذلك المراقبون، بتمديد التهدئة التجارية بين البلدين لشهرين إضافيين، وترك خط التواصل مفتوحاً لإدارة التنافس، بحيث لا يتحول الأخير إلى صراع.

 

وكما هو معلوم، كان ملف الذكاء الاصطناعي حاضراً في مباحثات القمة، وكذلك كان الاختلاف في وجهات النظر، فالزعيم الصيني يؤيد إبطاء التطور المتسارع في حقل الذكاء الاصطناعي، بينما يرفض ترامب ذلك خشية أن يؤدي الإبطاء إلى تفوق صيني لاحق. الملف الآخر، غير المنفصل عن السابق، هو ملف المعادن النادرة التي تهيمن على إنتاجها ومعالجة مشتقاتها بكين، وتحتاج إليها واشنطن في صناعات دقيقة عديدة، منها صناعة الرقاقات الإلكترونية. وكانت هذه في صلب مفاوضات الهدنة التجارية، واتفق الطرفان على تمديد تعليق القيود الصينية على تصديرها للولايات المتحدة.

ملف الذكاء الاصطناعي وملف المعادن النادرة ليسا مجرد موضوعين من بين موضوعات شائكة كانت حاضرة دائماً بين بكين وواشنطن، الأمر هذه المرة يتعدّى تلك الخلافات التقليدية، والقمة الأخيرة إذا وُصِفت بأنها بين قطبين فمن المستحسن الانتباه جيداً إلى كونها القمة الأولى ربما بين القطبين (بأل التعريف). والتوصيف الأخير يترجم في جانب منه ما عبّر عنه الزعيم الصيني في القمة مع ترامب، لجهة رغبته في تفادي الاصطدام والصراع بين قطب مهيمن وآخر صاعد.

 

ما يذهب إليه كلام الزعيم الصيني لا يتعلق هذه المرة بموازين القوى التقليدية القديمة، وبالمقارنة معها نبدو اليوم كأننا نعيش حقاً في كنف الخيال العلمي. مشاريع مثل حرب النجوم الأميركية، واتفاقيات الحد من الأسلحة النووية بين واشنطن وموسكو، وتقنيات الأقمار الصناعية؛ هذه كلها صار يسهل فهمها بالقياس إلى الذكاء الاصطناعي والغموض الذي يلفّ المستقبل القريب، إذا بقي مستمراً التسارعُ الحالي في تطويره، ولا سيما إذا امتلكت أجيال جديدة منه القدرة على التطوير الذاتي.

على صعيد متصل حذّر بيل غيتس، المؤسس المشارك لمايكروسوفت، من أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قد تتسبب بوفاة مليار شخص خلال عقد مقبل، إذا بقيت خارج الرقابة. غيتس دعا في لقاء مع محطة إن بي سي إلى مشاركة المشرّعين وجهات إنفاذ القانون في وضع رقابة على إنتاج الذكاء الاصطناعي وتطويره، وأن تكون الرقابة إلزامية. وحذّر باحثان من شركة "أنثروبيك" من مستقبل أكثر قتامة، يقضي فيه الذكاء الاصطناعي على البشرية بعد عقد من الآن، واعتبر أحدهما هذا الاحتمال وارداً بنسبة تفوق 10%، فيما لو بقي التسارع في تطويره مستمراً بلا ضوابط.

 

هي سيناريوهات لا تقلّ قتامة عن سيناريوهات الحرب النووية أيام الحرب الباردة، والحسنة الوحيدة في المقارنة هي أن السيناريوهات النووية لم تتحقق حتى الآن، لكن ربما تعود لتُطرح بالتضافر مع خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة. وإذا استهوتنا المقارنة، ربما يجوز التنبؤ بوجود نادٍ رقمي على غرار النادي النووي، ومعاهدات دولية خاصة بمنع انتشار النماذج المتطورة (والشريرة!)، وعلماء كومبيوتر يعملون كمفتشي دوليين هنا وهناك!

لكننا نعلم أن القياس على ما سبق فيه قصور أيضاً، والسيناريوهات القيامية المفزعة أو الكوميدية ليست موضوعنا هنا. ففي القمة المقبلة قد يجتمع ترامب ونظيره الصيني بوصفهما حقاً قطبا العالم الرقمي، وسيكون في وسعهما تقرير الاتجاه الذي يؤثر على البشرية كلها، وكلام بيل غيتس وسواه عن سيناريوهات قريبة جداً يدعم الاستعجال الأميركي والصيني في اتجاه السيطرة على التقنيات الجديدة، من دون تمهّل يليق بمستقبل البشرية.

 

المصيبة ليست في كائنات رقمية، أو روبوتات، تخوض حرباً ضد البشر على النحو الذي يمكن مشاهدته في أفلام هوليود. هي في أن نتائج الثورة الرقمية قد تدفع البشر إلى الاقتتال بهدف غير منظور، أو غير واعٍ تماماً، مفاده التخلص من الفائض البشري الذي لا يحتمله العصر الرقمي الجديد. الذهاب إلى هذا الاحتمال سيكون بعد تفشّي العديد من الأزمات، لا يُستثنى منها الكبار في النادي الرقمي ذاته.

يرفض ترامب وضع قيود من أجل إبطاء التطور في الذكاء الاصطناعي، والمبرر المباشر الذي يقدّمه أن تتأخر الولايات المتحدة على هذا الصعيد، خصوصاً بالقياس إلى الصين. أما خلف هذه التبريرات فتكمن رؤية ترامب القائمة على الرأسمالية المتوحّشة، ولعل كثر يتذكرون موقفه المناهض للقاحات أيام الأزمة التي تسبب بها انتشار كوفيد، والذي كاد يودي بحياة أعداد كبيرة لولا إجراءات الوقاية الإلزامية وسرعة اكتشاف اللقاحات. بالمثل، لا يكترث ترامب بالملايين، أو عشرات الملايين، من الأميركيين الذين سيفقدون فرص عملهم بسبب التطور المنتظر في الذكاء الاصطناعي، ويستطيع هو وأمثاله حول العالم رمي مسؤولية ندرة فرص العمل على ذوي الأصول المهاجرة مثلاً.

 

ما لم تحدث معجزات، لا يصعب تصوُّر النتائج الكارثية لتحالف الرأسمالية المتوحشة واليمين الشعبوي وشركات تطوير الذكاء الاصطناعي، ومن هنا يأخذ تنبؤ بيل غيتس بمليار قتيل شيئاً من الواقعية رغم أنه رقم مهول. وإذا بدأت الأزمات في مراكز الإنتاج الرقمي الكبرى فإن وصولها إلى الأطراف لن يستغرق وقتاً، وسيكون عبر مسارين؛ أولهما المسار التقني بوصول أجيال ليست الأحدث من الذكاء الاصطناعي، وثانيهما ما قد تلجأ إليه بعض المراكز الرقمية من تصدير الأزمات إلى الخارج.

عموماً لن تبقى السياسات الدولية بعيدة إطلاقاً عن تأثيرات التطور على هذا الصعيد، وكانت الثورة الصناعية قد غيّرت وجه العالم بدافع البحث عن الموارد والأسواق، وتسببت بحروب كبرى بسبب ضراوة التنافس. كان الإنسان المستهلك هو نموذج الثورة الصناعية، ومع التطور الرقمي قد يتم الإجهاز على النموذج الاستهلاكي، وهناك أسواق تقليدية قد تفقد قيمتها، وهذا ما يعني أن هذه البلدان ستكون خارج المنظومة الاقتصادية والسياسية الجديدة؛ على الأخص تلك البلدان التي لم تدخل أصلاً الثورة الصناعية ثم الثورة الرقمية الأولى.

 

الكثير مما قد يتغير خلال عقد من الزمن، والنبوءات المتشائمة من قبَل أرباب التكنولوجيا، تفيدنا بالحجم الهائل من التغيرات والاستحقاقات، حتى مع تفادي السيناريوهات الأسوأ. الكثير من المفاهيم ستتغير تالياً في السياسة والاقتصاد، ولن ينجو أحد، بما في ذلك بلدان في منطقتنا بعيدة إلى حد كبير عن الاندماج في الاقتصاد العالمي، فالفجوة مرشّحة للاتساع، والذكاء الاصطناعي بحاجة إلى مزيج من "النوايا" الطيبة والخروج عن سيطرة المشغّلين الكبار كي يكون حليف الفقراء!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث