ترامب- شي والذكاء الاصطناعي ثالثهما

بسام مقدادالثلاثاء 2026/09/29
ترامب تشي الصين أميركا (Getty)
دعا الرئيس الصيني إلى تفادي "فخ ثوسيديدس" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تجمع وسائل الإعلام على ضخامة "بهرجة" الاستقبال الذي نظمه ترامب لضيفه الصيني شي جين بينغ في القمة الثانية التي تجمعهما هذه السنة. ورأت "فايننشال تايمز" أن مثل هذا الاستقبال لم تنظمه الولايات المتحدة منذ أكثر من 60 عاماً، حين استقبل جون كينيدي رئيس الوزراء البريطاني حينها هارولد ماكميلان، حسبما نقل موقع RBC الروسي في 23 الجاري. ويبدو أن ترامب حرص على ألا تكون مراسم استقبال شي أقل ضخامة و"بهرجة" من الاستقبال الذي نظمه له الأخير في أيار/ مايو المنصرم.

 

في تغطية القمتين، احتلت "بهرجة" الاستقبال مكاناً بارزاً في عناوين نصوص الإعلام، إذ لم يسجل في الحالتين خرق جدي في أي من موضوعات جدول الأعمال التي جرى بحثها. وإذا كانت قمة الربيع بمثابة إقرار أميركي شبه نهائي بوقوف الصين إلى جانب الولايات المتحدة كقوتين تتربعان على قمة التطور الاقتصادي والعلمي في العالم، وتمسكان بمقاليد الذكاء الاصطناعي، فقد جاءت قمة الخريف لتزيل أي شك متبقٍ في حقيقة هذا الوضع. وبما أن القمة، أي قمة، لا تتسع إلا لمكان واحد، خصوصاً إذا كانت دائمة الحركة صعوداً كما في التطور العلمي والاقتصادي، فمن الطبيعي أن يبقى التنافس الصيني- الأميركي في حركة دائمة لا تتوقف. ومن الطبيعي أكثر أن تنعدم الثقة بين من يقف على القمة ومن يقترب من بلوغها، وهو ما جعل الزعيم الصيني يعود إلى التنافس بين المدينتين الإغريقيتين، أثينا وإسبارطة، ويطلق على الوضع الراهن بين أميركا والصين تسمية "فخ ثوسيديدس" .(the Thucydides Trap)وحسب موسوعة ويكيبيديا، فإن "فخ ثوسيديدس" هو خطر تحوّل التنافس بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة إلى صراع.

 

صحيفة الأعمال الروسية الكبرى“Vedomosti”  نشرت في 26 الجاري نصاً حول نتائج القمة الصينية ــ الأميركية، عنونته بالقول: "في فخّ ثوسيديدس: ما الذي يقف وراء الاستقبال الباذخ لترامب وشي في الولايات المتحدة ؟"، وأرفقته بعنوان ثانوي: "خلف الرمزية والخطاب الرنان، تقف حقيقة عدم التوصل إلى أي تسوية".

في سياق الحديث عن مأدبة العشاء التكريمية للضيف الصيني التي أقامها ترامب في البيت الأبيض، رأت الصحيفة أن الزعيمين لم يبخلا بكيل المديح والمجاملات لبعضهما، ولا بالإشارة إلى "الفترات الجيدة" من العلاقات بين البلدين. ونقلت عن الزعيم الصيني قوله في النخب الذي رفعه: "فلنزرع معاً، يداً بيد، زهور الصداقة الصينية ــ الأميركية الجميلة، ولنفتح فصلاً جديداً في سجل علاقات الصداقة المتبادلة بين بلدينا. فلنرفع نخب ازدهار الصين والولايات المتحدة وتقدمهما، ونخب صداقة الشعبين". وتعلّق الصحيفة على النخب بالقول إن للصداقة بين البلدين "مستقبلاً زاهراً"، برأي شي جين بينغ. بل وتذكر أيضاً اللحظات الإيجابية في تاريخ العلاقة بين البلدين، بدءاً من جمع الخزف الصيني من قبل جورج واشنطن، ومشاركة الولايات المتحدة في دعم القوات الصينية ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية. كما أشارت إلى دبلوماسية "كرة الطاولة" التي اعتمدها ريتشارد نيكسون، ولم تنسَ سياسة ترامب، بالطبع، حين قالت إن الرئيس ترامب رفع شعار "فلنجعل أميركا عظيمة من جديد"، وقاد الشعب الأميركي إلى تحقيق إنجازات كبيرة.

 

كلام شي جين بينغ عن "المستقبل الزاهر" للصداقة بين الشعبين و"إنجازات ترامب الكبيرة" شكّل المقدمة للقول إن "الصين تسعى إلى تحقيق النهضة العظيمة للأمة، وتتكشف آفاق جديدة أمام مسيرة التحديث الصيني. والمهمتان كلتاهما طموحتان وضخمتان، ويمكن أن يسهم نجاح إحداهما في نجاح الأخرى". ورأى أنه يتعين على الولايات المتحدة والصين "الاضطلاع بمسؤوليات القوتين العظميين، ومواكبة روح العصر، والبحث عن طريق جديد وصحيح للتعايش".

بعد اللقاء المغلق مع شي، وصف ترامب الاجتماع بأنه "ممتاز". وقبل العشاء، قال إنهما يدركان أنهما يمثلان "نظامين مختلفين، لكن الروابط بين شعبينا متينة وراسخة". وخلال مأدبة العشاء، رفع نخب نظيره الصيني مع زوجته، وأشاد بـ"العلاقات الطويلة بين الصين وأميركا، التي توحّدنا، كجسر لآلاف الأميال وتمتد عبر قرون".

 

ترى الصحيفة أن هذه اللهجة التصالحية والاستقبال الباذخ "ليسا من قبيل الصدفة"، وتعتبر أن الوضع المتوتر بين البلدين يشكل الخلفية التي عقدت القمة في ظلها. وتعدد مكونات هذه الخلفية: النزاعات التجارية غير المحسومة، والتنافس التكنولوجي، بما في ذلك "سباق الذكاء الاصطناعي" والقيود المفروضة في هذا المجال، والصراعات المرتبطة بإيران وأوكرانيا، التي تثير الاضطراب في أسواق الطاقة، إضافة إلى مشكلة تايوان وتعقيداتها.

نقلت الصحيفة عن الزعيم الصيني أنه، وقبيل اجتماعه المغلق مع ترامب ومن ثم العشاء، طرح شي سؤالاً بلاغياً: "هل ستتمكن الصين والولايات المتحدة من تجاوز "فخ ثوسيديدس" وإقامة نموذج جديد للعلاقات بين القوتين؟"، ثم أجاب على الفور: "أجل، يمكن تجاوز هذا الفخ". ورأت أن الاتفاق على تمديد الهدنة في الحرب التجارية من 10 تشرين الثاني/ نوفمبر إلى 10 كانون الثاني/ يناير من العام المقبل يؤكد ما ذهب إليه شي عن إمكانية التعايش الأميركي-الصيني.

 

جميع الملفات الخلافية في العلاقات الأميركية- الصينية حضرت على جدول أعمال القمة بين الزعيمين، وتم البحث فيها. لكن ثمة إجماعاً بين المحللين ومواقع الإعلام على أن القمة لم تحسم أيّاً من هذه الملفات، بما فيها تايوان وإيران وسواها، وبقي الطرفان على موقفهما بشأنها، وإن استخدما "بهرجة" الاستقبال لإخفاء العجز عن التوصل إلى تسوية بشأنها. لكن العامل شبه الحاسم في تخفيف حدة لهجة كل من الطرفين تمثل في الرغبة في عدم الوقوع في "فخ ثوسيديدس" وإدارة الحرب التجارية بدلاً من بلوغ مرحلة الصدام بشأنها، والذي قد يتخذ مختلف الأشكال. ويمثل الذكاء الاصطناعي أحد خطوط المواجهة الساخنة في هذه الحرب، إذ يدفع التطور السريع لهذه التكنولوجيا إلى أن تكون أقرب إلى أحد عناصر القوة الوطنية، بما تحمله من تأثير في الاقتصاد والدفاع والأمن والبحث العلمي والبنية التحتية، وحتى قدرة الدول على الحفاظ على استقلالها التكنولوجي. ومن هذه الزاوية، لم يكن حضور الذكاء الاصطناعي في قمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ مجرد تفصيل تقني، بل مؤشراً إلى طبيعة التنافس الذي يتشكل بين القوتين.

 

في اليوم السابق لانعقاد القمة، نقلت رويترز عن وزير الخزانة الأميركي، بعد محادثاته مع نائب رئيس مجلس الدولة الصيني، قوله إن واشنطن وبكين اتفقتا على إنشاء حوار رسمي حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب قناة اتصال للتعامل مع حوادث مرتبطة بسلامة هذه التكنولوجيا. وكان مقرراً أن يلتقي مسؤولون من البلدين مجدداً في مدينة شينزن الصينية خلال نحو شهرين لمواصلة البحث في المخاطر والبروتوكولات الخاصة بها.

موقع"Expert"  الروسي نشر في 25 الجاري نصاً تحدث فيه عن نتائج القمة الصينية ــ الأميركية، وأوجز رأيه بالقول في العنوان: "دببة الباندا بدل الاتفاقات"، في إشارة إلى هدية شي إلى ترامب، والتي تمثلت في اثنين من دببة الباندا الصينية.

نقل الموقع عن خبير منتدى "فالداي" الروسي للحوار الدولي دميتري سوسلوف افتراضه بأن إطلاق حوار بين الولايات المتحدة والصين حول قضية الذكاء الاصطناعي من النتائج المهمة للقمة. لكنه يرى أن التوصل إلى توافق في هذا المجال أمر يصعب توقعه، إذ لا تخفي واشنطن أنها تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لتحقيق التفوق على الصين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث