بينما تتواصل الاتصالات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بحثاً عن مخرج للحرب، تتحرك طهران على مسار آخر لا يقل أهمية: استخدام ما تستطيع من شبكة القوى الحليفة لها في المنطقة، ولا سيما الحوثيين في اليمن، مع محاولة الحفاظ على نفوذها في لبنان والعراق وغزة. لكن التطورات الأخيرة تظهر أن هذه الشبكة لم تعد كما كانت، وأن قدرة إيران على التأثير في حلفائها لا تعني بالضرورة قدرتها على التحكم في قراراتهم.
تضاربت آراء الأميركيين والإيرانيين بشأن المفاوضات غير المباشرة التي جرت بينهما على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتولت قطر الوساطة بين الطرفين. فقد ذكر ستيف ويتكوف أن المفاوضات كانت مطولة، إذ دامت نحو ثلاث ساعات، و"انتهت بنجاح"، وأن واشنطن تأمل أن تكون "بناءة ومبشّرة"، وأن الوسطاء سيواصلون عملهم.
ترامب بدوره وصف اللقاء بين عراقجي وكل من ويتكوف وكوشنر بأنه "جيد جداً ومنتج للغاية". ورأى أن هناك زخماً نحو التوصل إلى اتفاق، وأن جولة أخرى ستُعقد في المستقبل القريب، حسب Axios في 22 الجاري.
أما عراقجي، فقد نُقل عنه عبر التلفزيون الرسمي الإيراني أنه نقل إلى الجانب الأميركي شروط إيران لإعادة فتح مضيق هرمز، والمتمثلة في رفع الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية؛ والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة؛ ووقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك وقف ما تصفه طهران بـ"الأعمال العدوانية" الأميركية.
وبحسب "الغارديان" البريطانية، رفض الناطق باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ما ردده بعض وسائل الإعلام من أن عقد اللقاء كان بمثابة تنازل من إيران، بل اعتبر أنه جرى لإبلاغ الأميركيين بالشروط الإيرانية لفتح مضيق هرمز.
جاءت جولة نيويورك من المفاوضات بعد انقطاع دام نحو ثلاثة أشهر، منذ آخر اتصالات رفيعة المستوى بين الجانبين في 21 حزيران/يونيو بسويسرا. ولم تجرِ بمعزل عن التطورات العسكرية في المنطقة. فالمستشرق الروسي الخبير بالشؤون الإيرانية نيكيتا سماغين أشار في نص نشره موقع Meduza الروسي المعارض في 23 الجاري إلى أن الحوثيين، وبحلول 17 الجاري، كانوا قد سيطروا على كامل الساحل اليمني للبحر الأحمر. ورأى أن هذا التصعيد هو جزء من التحول العسكري الذي شهدته المنطقة خلال الشهر الحالي.
وبعد أن يشير سماغين إلى عمليات قصف البنية التحتية النفطية السعودية من جانب المجموعات العراقية التابعة لإيران خلال الشهر الجاري، يستنتج أن الحوثيين يمارسون الضغط العسكري على السعودية في إطار استراتيجية منسقة لـ"محور المقاومة". ويرى أن استراتيجية طهران تتركز اليوم، في المقام الأول، على إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وإنشاء بنية أمنية جديدة. والمبدأ الأساسي لهذه الاستراتيجية بقي ثابتاً منذ ما قبل الحرب: أن تتولى دول المنطقة تقرير مصيرها بنفسها، ومن دون تدخل أجنبي. وخلال الفترة الأخيرة، تظهر بالتدريج تفاصيل جديدة بشأن الاستراتيجية الإيرانية. وينقل عن قاليباف تأكيده مطلع الشهر الجاري أن تطوير علاقات إيران مع دول الخليج العربي يشكل المسار ذا الأولوية في بناء المنظومة الأمنية للشرق الأوسط.
ويستنتج سماغين من بحث سبق أن نشره في حزيران/يونيو الماضي رئيس مركز أبحاث مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، بابك نكهداري، أن مضيق هرمز يجب أن يبقى"رصيداً استراتيجياً لإيران"، بينما يصبح "محور المقاومة" المكوّن الأهم في بناء أمن المنطقة. وفي مواد أخرى نشرتها الصحافة الإيرانية الرسمية، طُرحت أيضاً مقترحات لجعل مضيقي هرمز وباب المندب أداتَي ضغط على الاقتصاد والسياسة الدوليين. ويرى الخبير أن طهران تنطلق في خططها من افتراضين أساسيين: الأول، أن مستقبل الشرق الأوسط سيتشكل في ظل تراجع النفوذ الأميركي؛ والثاني، أن التحولات الدولية تولّد تناقضات عديدة بين الشركاء التقليديين في المنطقة. ونتيجة لذلك، تراهن إيران على استغلال هذه التناقضات لتصبح الفاعل الرئيسي في إعادة تشكيل المنطقة. وفي الوقت نفسه، تنظر إلى المستقبل باعتباره فوضوياً، ما يتيح لها الأمل في تخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية المفروضة عليها.
موقع The Soufan Center (مركز صوفان، أسسه العميل السابق في مكتب التحقيقات الفدرالي، اللبناني الأصل، علي صوفان)، وهو مركز أميركي متخصص في قضايا الأمن الدولي ومكافحة الإرهاب، نشر في 25 الجاري نصاً بحث فيه وضع "محور المقاومة" الإيراني اليوم.
يستهل الموقع نصه بالإشارة إلى أن وضع المحور اليوم، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يبدو مختلفاً كلياً. فبعض أطرافه أصابها ضعف جدي، وبعضها الآخر لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية جدية، وينشط في الوقت عينه ضد أعداء طهران الإقليميين، وكذلك وفق ما تقتضيه مصالحه الخاصة.
حزب الله، الذي كان يعتبر، برأيه، الحلقة الرئيسية في المحور، قد ضعف بصورة جدية نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية. لكن تجريده من السلاح تبقى مسألة شديدة الصعوبة، بل ويعتبرها العديد من الخبراء غير قابلة للتنفيذ عملياً.
أما حركة الحوثيين اليمنية، فهي تواصل صراعها مع السعودية والحكومة المعترف بها دولياً في عدن، بل وتعمل على تعزيز مواقعها في منطقة مضيق باب المندب، ما دفع الرياض إلى طلب مساعدة عسكرية من حلفائها لمواجهة تقدم الحوثيين.
ويرى الموقع أنه مع ترسخ نفوذ المتشددين داخل الحرس الثوري وإحكام قبضتهم على السلطة، فمن المرجح، بحسب التحليل، أن تسعى طهران إلى إعادة بناء قواتها الحليفة في المنطقة، بما في ذلك الجماعات المنضوية في "المحور" في لبنان وغزة والعراق.
ويشير إلى أن كل الجماعات الحليفة لإيران والمنضوية في "المحور" قد تعرضت، بدرجات متفاوتة، لضغوط ناجمة عن العقوبات الاقتصادية أو الضغوط السياسية أو العمليات العسكرية. ورغم أن الجزء الأكبر من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران تركز على الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران، فإن الحرس الثوري الإيراني اعتمد طوال فترة النزاع استراتيجية "الدفاع المتقدم"، مستنداً إلى الميليشيات الحليفة له في المنطقة.
في هذا السياق، طرحت "المدن" أربعة أسئلة على المستشرق الأذربيجاني رسلان سليمانوف، الذي عمل كبير مراسلي وكالة تاس لشؤون الشرق الأوسط في القاهرة، وترك الوكالة وموسكو مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
أجاب رسلان على أسئلة "المدن" بعربية لا تحتاج إلى أي تنقيح إملائي أو نحوي. لذا بقيت على حالها، كما أرسلها، مع بعض الاختصارات البسيطة.
حول ما إذا كان المتشددون الإيرانيون سيسمحون بمواصلة المفاوضات لتصل إلى عقد صفقة ما مع الأميركيين، قال رسلان إنه يشك في أن ما يُسمى بـ"الصقور" في طهران سيسمحون بالتوصل إلى أي اتفاق من دون تقديم تنازلات جسيمة من قِبل البيت الأبيض. ويتطلب التوصل إلى اتفاق، كحد أدنى، رفع العقوبات، ووقف الضغط الاقتصادي الأميركي على إيران، وعلى المدى الطويل، الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من الخليج العربي، وهو ما ليس ممكناً في الوقت الراهن.
وعن كيفية انعكاس التجاذب الداخلي الإيراني على حرب الحوثيين للسيطرة الكاملة على مضيق باب المندب، رأى رسلان أن الوضع في إيران لا يؤثر عملياً بأي شكل من الأشكال على أفعال الحوثيين في اليمن. فحركة "أنصار الله" غير خاضعة لسيطرة طهران عملياً. وهي بحاجة إلى السيطرة على مضيق باب المندب، قبل كل شيء، من أجل الحصول على أرباح من إنتاج النفط في اليمن. وسيقوم الحوثيون بمهامهم بغض النظر عما يجري في إيران.
وعن احتمال استئناف قصف إيران حتى من دون مشاركة الولايات المتحدة، قال المستشرق إن إسرائيل قادرة في أي لحظة على استئناف الهجمات على المنشآت النووية وغيرها داخل إيران. و"من بالغ الأهمية للسيد نتنياهو التأكيد على استقلاليته واستقلاله عن الولايات المتحدة الأميركية". وهذا مهم بشكل خاص في سياق الانتخابات البرلمانية المقبلة.
وعن احتمال اندلاع احتجاجات في إيران، رأى رسلان أن هذا الاحتمال لا يزال قائماً. ولكن من المستحيل التنبؤ بما سيكون سبباً لأعمال الاحتجاج الجديدة. "فالاحتجاجات في إيران تحدث دائماً بشكل عفوي، من دون قيادة محددة ومن دون أيديولوجيا واضحة".




