الرئيس الأميركي الذي اعتمدت دعايته الانتخابية على وعد بعصر ذهبي للاقتصاد الأميركي، تحت شعار "أميركا أولاً"، تصل شعبيته قبل أقل من سبعة أسابيع من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، إلى واحدة من أسوأ المعدلات، حيث لا يثق في إدارته حوالى ثلثي الناخبين الأميركيين.
ثمة ارتفاعٌ في معدلات التضخم، ما دفع البنك المركزي إلى رفع نسبة الفائدة مؤخراً، ووصول أسعار الوقود إلى مستويات قياسية، مع قفز أسعار الديزل بالتجزئة في الولايات المتحدة بنسبة 78% منذ بداية الحرب في إيران في أواخر شباط/ فبراير 2026. والتقديرات هي أن الزيادة التراكمية لإنفاق المستهلكين الأميركيين على الديزل وحده وصلت إلى 48 مليار دولار إضافية هذا العام. يؤثر الديزل بشكل مباشر وعميق على معظم القطاعات الحيوية، كونه العمود الفقري للاقتصاد العالمي والمحرك الرئيسي لعمليات الإنتاج والإمداد. ويعد القطاع الزراعي أحد القطاعات الأكثر حساسية لتغيرات أسعار الوقود، وهو ما انعكس على معدلات التضخم السريعة لأسعار السلع الأساسية حول العالم.
قبل أسابيع، كانت ثمة قناعة بين المحللين تتردد في مقالات الرأي في الصحف الغربية، بأن إغلاق مضيق هرمز، ورقة إيران الوحيدة في الحرب أو حالة اللاحرب الجارية، بدأت تفقد قيمتها بعد أن استوعبت أسواق النفط الصدمة الأولى. القناعة الأخرى هي أن الحصار البحري الأميركي على إيران وسلسلة العقوبات على اقتصادها، هما الورقة الرابحة على المدى المتوسط. لكن تلك القناعات سرعان ما تبددت، بفعل تقدم الحوثيين وسيطرتهم على مضيق باب المندب، وبالتوازي استهدافهم للبنية التحتية للنفط في السعودية. وبنهاية الأسبوع الماضي، وسّعت الضربات الأوكرانية بالطائرات المسيرة على واحدة من أكبر مصافي النفط الروسية الأزمة. لم تعد المعضلة شح إمدادات النفط فقط، بل تعطل مصافي النفط القادرة على إنتاج مشتقاته.
نقلت صحيفة "فاينانشال تايمز" أن الرئيس الأميركي قال خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الأوكراني، يوم الأحد الماضي، إن الأمر برمته يتعلق بـ"الديزل، الديزل، الديزل". وفي المكالمة ذاتها حث ترامب زيلينسكي على إصدار أوامر للجيش بوقف الضربات الجوية على منشآت الطاقة الروسية. كالعادة، تسرع الرئيس الأميركي وأعلن هدنة بين الطرفين الروسي والأوكراني، تخرج منشآت الطاقة من دائرة الاستهداف المتبادل. لكن سرعان ما أنكر الطرف الأوكراني هدنة الديزل المزعومة، ونشر زيلينسكي تغريدة بلائحة من الشروط للقبول بتلك الهدنة. هذه المرة لا يبدو التمنع الأوكراني موجهاً إلى روسيا، بل إلى الولايات المتحدة.
داخلياً، يظهر ترامب -بحسب التعبير الأميركي- مثل "بطة عرجاء". شرع بعضٌ من المرشحين الجمهوريين في الانتخابات المقبلة في إبعاد أنفسهم عنه، أما الآخرون فيدركون أن الرئيس الأميركي أصبح عبئاً تصويتياً على فرصهم الانتخابية. في الخارج، كشفت الحرب في إيران وتبعاتها حدود القوة الأميركية. آخر تجليات هذه المحدودية هو تخلي واشنطن عن دعم حليفها السعودي لصالح وعد حوثي باستمرار الاتفاق السابق وعدم استهداف السفن الأميركية. وفيما يتعلق بالحرب الأوكرانية، لم يعد زيلينسكي في وضع المستجدي الذي يتم استحضاره إلى البيت الأبيض لتقديم استعراضات في الإذلال الإمبراطوري أمام كاميرات وسائل الإعلام، بل يجلس هو في كييف على الطرف الآخر من الخط الهاتفي ليسمع ترديد الرئيس الأميركي لكلمة ديزل، ثلاث مرات، ربما بنغمة يائسة.
تتعلم أوكرانيا ما أدركته طهران مؤخراً، وهو أن الشبكة المعقدة للاقتصاد المعولم التي تشكلت تحت مظلة الإمبراطورية الأميركية هي نقطة قوة واشنطن ونقطة ضعفها أيضاً، كما أن ديمقراطيتها الإجرائية هي نقطة تفوقها وهشاشتها في الوقت ذاته. الحصار الأميركي المفروض على صادرات النفط الإيرانية والعقوبات الغربية على موسكو، يلتف حول نفسه ليصبح حصاراً على الاقتصاد العالمي والولايات المتحدة في مركزه.
بعد أقل من سبعة أسابيع، تنطلق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. ومن المرجح أن يسيطر الديمقراطيون على مجلس النواب، ولديهم فرص قوية لتحقيق الأغلبية في مجلس الشيوخ، وتعزز أزمة الديزل من فرصهم بشكل كبير. على المدى القصير، قد يصب ذلك الفوز في مصلحة الإيرانيين والأوكرانيين، بأشكال مختلفة. لكن الفوضى التي صنعتها السياسات الأميركية في العامين الماضيين ستحتاج وقتاً طويلاً لإصلاحها.




