عودة أصالة نصري إلى سوريا: حفل وينتهي

عمر قدورالسبت 2026/09/19
حفل أصالة في دمشق (Getty)
المناسبة فيها من التسييس ما يفيض عن المغنية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

هناك ماكينة إعلامية اشتغلت لتجعل من ذهاب أصالة نصري إلى سوريا حدثاً يفوق كونه حدثاً فنياً، ويفوق أيضاً الوزن السياسي للمغنّية. من تلك المبالغات هناك مثلاً استخدام تعبير "عودة الأصالة"، من قبل وزارة الثقافة المشرفة على الحفل، مع أن شهرة أصالة لم ترتبط يوماً بالمعنى الذي يشير إليها اسمها، فهي ليست صاحبة مشروع أصيل بهذا المعنى، ولا بمعنى الاشتباك مع الأصالة من موقع معاصر.

نؤكد على حق أصالة في العودة والغناء في سوريا كما تشاء، وهو حقّ ينبغي أن يكون مصاناً لكل السوريين، بصرف النظر عمّن يحكم سوريا. بمعنى أن عودة أي سورية أو سوري إلى سوريا لا يجب أن تكون عرضة للاستثمار السياسي، ويجب ألا يشعر هذا السوري بأنه مضطر لتقديم أدنى تنازل من أي نوع كثمن له، وهذا مختلف عن الحمولة السياسية للعودة بعد إسقاط الأسد التي يكون التأكيد عليها صادقاً كلما كانت بمنأىً عن الاستثمار المباشر.

 

من صيانة الحق السابق يتفرّع حق أصالة في الغناء في بلدها، المتشددون دينياً الذين طالبوا بإلغاء حفلتها لم يمارسوا حرية الرأي، هم حاولوا الاعتداء على حقها، وعدم الاستجابة لهم يجب النظر إليه كقاعدة مُلزمة لا كخيار من بين خيارات. أن تكون هناك رعاية رسمية لحفلة أصالة أو لا تكون؛ هذا شأن مختلف عن حقّها المشار إليه. لكن، بما أنه حدث، تصبح الأسئلة مبرَّرة عن سياق الرعاية، وعمّا إذا كانت الأخيرة تعكس اقتناصاً لاسم ولحظة، أم أنها تعبّر عن توجّه أعمّ وأكثر استمراراً.

نشير إلى أن صورة أصالة المُصنَّعة لهذه المناسبة فيها من التسييس ما يفيض عن المغنّية التي لم يُعرَف عنها الانشغال بالسياسة، باستثناء استغلالها وهي صغيرة لتقديم أغانٍ تعكس توجّه السلطة والبعث آنذاك. لا معلومات على أنها أُجبرت على ذلك، والأرجح أنها امتثلت مثل الغالبية لثقافة السلطة السائدة. بعد الثورة اتخذت موقفاً مؤيداً لها، على خلفية الممارسات الوحشية للأسد، وهذا ما يمكن وصفه بالموقف الأخلاقي أكثر من أن يكون سياسياً. وليس مطلوباً بالطبع من المغنّية أن تنشغل بالسياسة، أما توضيح علاقتها بها فهو للذين يحمّلونها سياسياً أكثر مما يجب ومما تحتمل.

 

مع ذلكَ، من غير أن تقصد أو ربما تدري، تقدّم مسيرة أصالة صورة عن أوضاع البلد. بداياتها كانت رفقة والدها، واحتضنها التلفزيون الرسمي منذ طفولتها، ثم قدّمت أغانٍ عادية وأخرى "وطنية"، من دون أن يكون لديها مشروع واضح في أيّ منهما. وغياب المشروع لم يقتصر عليها، فالفترة ذاتها لم تشهد أي مشروع غنائي سوري على النحو الذي حدث في مصر أو على غرار الرحابنة في لبنان. لم يكن ذلك ضمن مشاريع السلطة، ولم تتهيّأ له الأرضية العامة المشجّعة، وهكذا لم تندرج أصالة ظاهرةً أو فرداً ضمن سياق أعمّ لما يمكن وصفه بـِ "الأغنية السورية" المعاصرة، لأن الأخيرة لم توجد.

غادرت أصالة سوريا، مثل كثر من الكتّاب والفنانين، والملايين الأخرى الباحثة عن مكان أفضل من مزرعة الأسد. وبتعاقدها مع جهة إنتاج عربية قوية حققتْ قفزة في الانتشار بأدوات غير سورية، سواء على صعيد اللحن والتوزيع، أو على صعيد الكلمات، إذ غنّت بلهجات غير سورية. في ذلك الوقت، وحتى إشعار آخر، يبقى كأنه من البديهيات أن يسعى السوريون إلى الفرص الفردية خارج بلدهم، وألا يكون لديهم مشروعات محلية جاذبة.

 

لا يمكن الآن الزعم بأن رعاية حفل أصالة في دمشق تأتي في سياق مختلف عمّا اعتاد عليه السوريون طوال عقود، فضلاً عن الإضافات الحالية المتصلة بطبيعة السلطة. على سبيل المثال، ثمة مفارقة كبيرة بين وجود أصالة في دمشق والمنع غير الصريح لاستيراد الآلات الموسيقية، وبينما يقتصر الحفل على أمسية فإن المنع وتأثيره موجودان ومستمران. التباين بين طرفي المفارقة لا يجب أن يُعزى إلى خلافات ومراكز قوى ضمن السلطة، لأن منع الاستيراد يسلب حقاً من الحقوق، أما الإشراف الحكومي على حفل أصالة أو على عدمه فهو شأن لا يمسّ حقوقها الأساسية. والإشارة الأخيرة لا تعفي السلطات من دورها في دعم الثقافة، باعتبار الأخيرة قطاعاً غير ربحي في معظم الأحيان. 

لم تُطرح فيما مضى الأسئلة حول غياب المشاريع الثقافية والفنية، ومنها غياب أي مشروع غنائي سوري معاصر، يقرأ القائمون عليه التنوع السوري في هذا المضمار، فلا يُكتفى بتقديمه بوصفه فلكلوراً شعبياً، أو مادةً وجدانية. بالطبع لا تتحمّل أصالة ولا غيرها من الأفراد المسؤولية عن الافتقار إلى مشاريع فنية، إلا أن حفلها الأخير في دمشق واقع على خط من التناقضات التي يصعب تجاهلها، بل سيكون القفز عليها مجرد وهم يتحايل عليها من دون تجاوزها.

 

تذهب المغنية إلى بلد يحطّ فيه عضو "مجلس شعب" من قيمة المرأة، فيرى في تأنيث التعليم إضعافاً لشخصيات الطلاب (الذكور طبعاً). في المجلس نفسه هناك تمثيل متدّنٍ جداً للنساء، ولا يجوز رمي السبب على المجتمع بما أن ثلث المجلس معيَّن من قبل الرئيس والثلثان معيّنان من قبل هيئات مشكّلة أيضاً بقرار رئاسي، والحكومة أيضاً ليس فيها سوى وزيرة واحدة.

وكانت أصالة قد استبقت ذهابها إلى دمشق بإصدار ألبوم تغنّي فيه 14 أغنية، كلّ منها من تراث محافظة سورية، فلم تقدّم في أدائها جديداً، ليبقى في إطار التحية الوجدانية ليس إلا. بدورها التحية ظهّرت مفارقة لواقع الانقسام السوري، ولئن كان أداؤها ضمن الحفل مؤثّراً فتأثيره محمول على الحنين إلى وقت لم يكن فيه السوريون منقسمين إلى هذا الحد. هو تأثير منفصل عن الواقع الحالي، ولا يأتي أيضاً في إطار مشروع لرأب الانقسام الراهن. مع التأكيد مجدداً على أن وجود هذا المشروع ليس من شأن أصالة أو غيرها من الفنّانين، والاحتفاظ لهم بحقهم في المساهمة فيه من مواقعهم.

 

ما أكثر حفلات الغناء التي تُقام في العالم هنا وهناك، من دون الجدل حول إقامتها أو منعها، ومن دون تسييسها. ولو أُعفي حفل أصالة في دمشق من التسييس لكان حفلاً وانتهى، من دون تحميله بالدلالات كما فعلت الجهة الراعية، وهذا التحميل هو الذي يستدعي السؤال عن سياق بأكمله. في المستوى الأول المباشر، زال السبب الذي كان يمنع أصالة من الذهاب إلى دمشق وإحياء حفلات فيها، أما أبعد منه فيحدده ما إذا كانت قد عادت نهائياً لتستقر في البلد مثلما يوحي به تعبير "عودة الأصالة"، وأبعد من ذلك السؤال عن زوال الأسباب التي دفعتها إلى المغادرة قبل الثورة؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث