"ظمئ الشرق فيا شام اسكبي واملئي الكأس له حتى الجمام
أهلك التاريخ من فضلتهم ذكرهم في عروة الدهر وسام
أمويون فإن ضقت بهم ألحقوا الدنيا ببستان هشام" (سعيد عقل)
لم يكن سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 خاتمةً للحرب السورية، بقدر ما كان انتقالًا من صراع على إسقاط السلطة إلى صراع أشد تعقيدًا على تعريف الدولة التي ستخلفها. فقد انهار النظام بسرعة بدت مفاجئة بعد سنوات ساد خلالها الاعتقاد بأنه استعاد القدرة على البقاء، لكن أسباب انهياره كانت تتراكم تحت سطح الاستقرار الظاهري من مؤسسات منهكة واقتصاد محطم وجيش ضعفت قدرته القتالية وارتهان متزايد للحلفاء الخارجيين ودولة تسعى لاستعادة شرعيتها وسيادتها الفعلية.
أنهى السقوط أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد الكارثي، لكنه لم يُنتج تلقائيًا نظامًا ديمقراطيًا. القوة الرئيسية التي دخلت دمشق، هيئة تحرير الشام بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تنحدر من مسار جهادي سبق أن ارتبط بتنظيم القاعدة، وإن كانت قد قطعت معه تنظيميًا وأعادت تقديم نفسها بوصفها حركة سورية ذات خطاب أكثر براغماتية. وهنا تكمن المفارقة المركزية، فقد سقط نظام استبدادي على يد قوى لا تزال مطالبة بإثبات قدرتها على تجاوز بنيتها الفصائلية والأيديولوجية والتحول إلى سلطة دستورية تمثل مجتمعًا متنوعًا.
ثورة الحرية ومسار العسكرة
انطلقت الانتفاضة السورية سنة 2011 بشعارات سياسية ومدنية واضحة وبديهية، هي الحرية والكرامة وإنهاء الاستبداد وإطلاق المعتقلين. لذلك، لا يصح اختزال الثورة منذ بدايتها في مشروع إسلاموي، كما لا يصح إنكار التحول العميق الذي طرأ عليها لاحقًا. القمع الواسع، وعسكرة الاحتجاج، وانشقاق أجزاء من الجيش، وتدفق السلاح والمال من الخارج، وضعف المعارضة السياسية، والتنافس الإقليمي، وانتقال مقاتلين جهاديين من العراق إلى سوريا، كلها عوامل أدت إلى تفكيك المجال الثوري الأول وتحويله إلى ساحات حروب متداخلة.
استفادت جبهة النصرة ثم تنظيم داعش من انهيار الدولة في مناطق واسعة، ومن المظلومية السنية، ومن شبكات الجهاد العابرة للحدود، ومن غياب قيادة وطنية موحدة. وقدمت هذه التنظيمات نفسها باعتبارها الأكثر قدرة على التنظيم والقتال، ثم فرضت على الثورة لغة دينية وأهدافًا لم تكن جزءًا من مطالب كثير من المتظاهرين الأوائل.
بلغ هذا التحول ذروته عندما أقام داعش "دولة" عابرة للحدود ومارس القتل الجماعي والاستعباد والتهجير وتدمير الآثار. منذ ذلك الوقت لم يعد جزء كبير من العالم يرى في سوريا شعبًا يطالب بالحرية، بل صار يراها مصدرًا للإرهاب واللاجئين والفوضى. ساعد هذا الانقلاب في الصورة نظام الأسد على تسويق روايته القديمة، وهي إما بقاؤه وإما سيطرة المتطرفين.
لكن القول إن الثورة بأكملها "تحولت إلى داعش" يكرر، من حيث لا يقصد، دعاية النظام. السوريون الذين طالبوا بدولة ديمقراطية لم يختفوا، إلا أن قدرتهم على التأثير تراجعت أمام آلة النظام العسكرية، وسلاح الفصائل، وتمويل القوى الإقليمية، وأولوية مكافحة الإرهاب لدى الدول الغربية. الأدق أن الثورة تعرضت للاختطاف والتشظي، وأن المشروع المدني فقد تفوقه التنظيمي من دون أن يفقد مبرره الأخلاقي أو حضوره الاجتماعي.
من الدولة الأمنية إلى خطر الدولة العقائدية
المعضلة السورية اليوم لا تقتصر على الاختيار بين إسلام "معتدل" وإسلام "متطرف". السؤال الأعمق هو هل تكون السيادة للشعب والدستور، أم لجماعة تعتقد أنها انتصرت عسكريًا وأصبحت، نتيجة لذلك، صاحبة الحق في تحديد هوية الدولة؟
قد تقبل تيارات إسلامية بصيغة قريبة من التجربة التركي، أي انتخابات، تعددية حزبية، اقتصاد مفتوح، ومؤسسات مدنية ضمن ثقافة عامة محافظة. وقد تسعى تيارات أخرى إلى جعل الدولة أداة لتطبيق تصور محدد للشريعة وإقامة ما تسميه "حاكمية الله". غير أن النموذج التركي نفسه ليس وصفة جاهزة للتطبيق، فقد أظهر كيف يمكن الاحتفاظ بالانتخابات مع إضعاف استقلال القضاء والإعلام وتركيز السلطة في يد القيادة التنفيذية.
كذلك، لا تملك عبارة "الدولة المدنية تحت ظل الإسلام" معنى واحدًا. يمكن أن تعني دولة مواطنة تستلهم قيم الأكثرية وتحمي بالتساوي حرية المسلمين والمسيحيين والعلويين والدروز والإسماعيليين والإيزيديين وغير المتدينين. ويمكن أن تكون تعبيرًا ملطفًا عن دولة تميّز بين المواطنين بحسب الدين أو المذهب والجنس. الاختبار الحقيقي لا يكمن في المصطلح، بل في الدستور وتوزيع السلطة واستقلال القضاء وحرية الاعتقاد وإمكان تداول الحكم.
أبقى الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025 للفقه الإسلامي موقعًا مركزيًا في التشريع، وضمن في الوقت نفسه عددًا من الحقوق والحريات. لكنه أثار اعتراضات بسبب اتساع صلاحيات السلطة التنفيذية وضعف المشاركة في صياغته؛ فقد رأت فيه جهات كردية إطارًا يعيد إنتاج المركزية بدل تأسيس توافق وطني حقيقي.
المشكلة، إذن، ليست مجرد وجود مرجعية إسلامية، فدساتير عربية عديدة تجمع بين مرجعية دينية ومؤسسات حديثة. الخطر يبدأ عندما تحتكر جماعة واحدة تفسير الدين والدستور والسلاح، وعندما يصبح الاعتراض السياسي خروجًا على الشرع بدل أن يكون حقًا مدنيًا.
التعددية واختبار العنف الطائفي
أحداث الساحل والسويداء أثبتت أن الخوف من الصدام الداخلي ليس افتراضًا نظريًا. فقد خلصت لجنة التحقيق الدولية إلى أن أعمال العنف التي اجتاحت الساحل في آذار/مارس 2025 كانت واسعة النطاق وشملت انتهاكات خطيرة ارتكبتها أطراف متعددة، وطالت مدنيين علويين بصورة خاصة. كما شهدت السويداء لاحقًا اعتداءات وصدامات خطيرة مست المجتمع الدرزي.
لا يمكن بناء سوريا الجديدة على الانتقام الجماعي من الطائفة العلوية بسبب ارتباط النظام السابق بشبكات علوية نافذة. النظام استخدم العصبية الطائفية، لكنه لم يكن ممثلًا أخلاقيًا لطائفة بأكملها، فقد قمع علويين كما قمع سواهم، بينما استفادت منه طبقة أمنية واقتصادية عابرة للطوائف. تحويل العدالة إلى عقاب جماعي يمنح فلول النظام فرصة لإعادة تنظيم نفسها بوصفها "حامية للأقليات"، ويدفع الأقليات إلى طلب الحماية الخارجية.
في المقابل، لا يجوز استعمال حماية الأقليات ذريعة لبناء جيوش محلية دائمة أو كانتونات مغلقة. الحل لا يكون باستبدال مركزية استبدادية بتقسيم مسلح، بل بإقامة مواطنة متساوية وضمانات دستورية ولا مركزية إدارية تمنح المجتمعات المحلية قدرة حقيقية على إدارة شؤونها من دون تفكيك الدولة.
ويمثل الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية حول الاندماج السلمي لشمال شرقي سوريا وحقوق الأكراد، نموذجًا ينبغي إنجاحه، لا التعامل معه كاستسلام لطرف أمام آخر. وقد شدد الأمين العام للأمم المتحدة في كانون الثاني/يناير 2026 على ضرورة التنفيذ السريع للاتفاق وضمان حقوق السوريين الأكراد والعودة الآمنة للنازحين.
المسلحون الأجانب: قنبلة مؤجلة
وجود المقاتلين الأجانب من أعقد تركات الحرب. بعضهم قاتل سنوات إلى جانب الفصائل المنتصرة، وتزوج وأنشأ أسرًا في سوريا، بينما يحتفظ آخرون بولاءات عقائدية أو شبكات تتجاوز حدودها. منحهم مواقع عسكرية أو جنسية بصورة جماعية يثير مخاوف السوريين والدول المجاورة؛ وطردهم جميعًا من دون تدقيق قد يدفعهم إلى التمرد أو يعيد توزيع الخطر في المنطقة.
المعالجة المنطقية تتطلب فرزًا فرديًا وقانونيًا، لا تسوية سياسية شاملة. من ارتكب جرائم حرب أو ينتمي إلى تنظيم إرهابي يجب أن يخضع للتحقيق والمحاكمة. ومن لم تثبت مشاركته في جرائم يمكن إخضاعه لبرامج نزع السلاح والتأهيل والمراقبة، مع تسوية أوضاع الأسر والأطفال وفق القانون. ولا يجوز إنشاء وحدات عسكرية متجانسة من المقاتلين الأجانب؛ لأن ذلك يحفظ ولاءاتهم القديمة داخل الجيش الجديد بدل صهرهم في مؤسسة وطنية.
كيف تتجنب سوريا حربًا جديدة؟
تحتاج سوريا إلى تسوية وطنية تتجاوز معادلتي "حكم المنتصر" و"محاصصة الطوائف". ويمكن تأسيسها على خطوات مترابطة.
أولًا، عقد مؤتمر تأسيسي تمثيلي، لا مؤتمر استشاري تختار السلطة أعضاءه ونتائجه. ينبغي أن يضم ممثلين عن المحافظات والأكراد والأقليات والنساء والنقابات والمجتمع المدني والمهجرين، إلى جانب القوى الإسلامية والعلمانية. وتكون مهمته الاتفاق على المبادئ الدستورية وقانون الأحزاب والانتخابات واللامركزية والجدول الزمني للمرحلة الانتقالية.
ثانيًا، الفصل بين الدعوة الدينية والسلطة الملزمة. من حق الإسلاميين تأسيس أحزاب والدعوة إلى برامج مستوحاة من الإسلام، مثلما يحق لغيرهم طرح برامج قومية أو ليبرالية أو يسارية. لكن القانون يجب أن يصدر عن مؤسسة تشريعية قابلة للمحاسبة، وأن يبقى تفسيره من اختصاص قضاء مستقل، لا مجالس شرعية حزبية.
ثالثًا، بناء جيش وشرطة وطنيين عبر نزع سلاح الفصائل ودمج أفرادها بعد التدقيق في سجلاتهم. جمع الكتائب تحت اسم وزارة الدفاع لا يكفي إذا بقيت قياداتها ومرجعياتها وتمويلها مستقلة. الإصلاح الأمني يحتاج إلى قيادة مدنية، وسلسلة أوامر موحدة، وقانون خدمة واضح، وآلية للشكاوى والمحاسبة.
رابعًا، إقامة عدالة انتقالية تميز بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي. يجب فتح ملفات المعتقلين والمفقودين والمقابر الجماعية والتعذيب وجرائم النظام وداعش والفصائل وسائر الأطراف. العفو العام عن الجرائم الكبرى يصنع سلامًا زائفًا، والانتقام يصنع حربًا دائمة. المطلوب محاكمات عادلة، وكشف الحقيقة، وتعويض الضحايا، واستعادة الممتلكات، وإصلاح المؤسسات.
خامسًا، إنشاء عقد اقتصادي يربط إعادة الإعمار بالشفافية والتنمية المتوازنة. فقد قدّر البنك الدولي كلفة إعادة بناء سوريا بنحو 216 مليار دولار، بعد انكماش اقتصادي هائل خلال الحرب. من دون وظائف وتعليم وكهرباء وسكن، ستظل الفصائل وشبكات التهريب أكثر قدرة على تجنيد الشباب من الدولة. كما ينبغي منع إعادة إنتاج اقتصاد المحاسيب والاستيلاء على الممتلكات تحت عنوان غنائم الثورة.
سادسًا، جعل العودة الطوعية والآمنة للاجئين معيارًا لنجاح الانتقال. تشير بيانات المفوضية إلى عودة أكثر من 1.5 مليون لاجئ و1.8 مليون نازح داخليًا منذ سقوط النظام حتى آذار/مارس 2026، مع بقاء ملايين المهجرين وحاجة 15.6 مليون شخص إلى المساعدة.ولا تتحقق العودة المستدامة بالضغط على اللاجئين، بل بالأمن والخدمات واستعادة البيوت والوثائق وضمان عدم الاعتقال أو الانتقام.
أخيرًا، تحتاج سوريا إلى تفاهم إقليمي يمنع تحويلها مجددًا إلى ساحة نفوذ. على تركيا والدول العربية وإيران وإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة احترام وحدة البلاد ووقف دعم التشكيلات الموازية للدولة. يصعب مطالبة السوريين بتسليم سلاحهم بينما تستمر القوى الخارجية في تسليح حلفائها المحليين أو احتلال الأراضي وشن العمليات العسكرية.
امتحان ما بعد الانتصار
لن تُقاس القيادة السورية الجديدة بقدرتها على دخول دمشق، بل بقدرتها على مغادرة عقلية الفصيل. المنتصر الذي يحتكر الدولة قد ينجح مؤقتًا في فرض النظام، لكنه يؤسس التمرد المقبل. أما السلطة التي تقبل تقييد نفسها بالدستور، وتسمح لمعارضيها بالتنظيم، وتحاسب عناصرها عند ارتكاب الجرائم، فتتحول من قوة غلبة إلى دولة شرعية.
تستطيع سوريا الاحتفاظ بهويتها العربية والإسلامية من دون تحويل غير المسلمين أو غير الإسلاميين إلى ضيوف فيها. وتستطيع حماية وحدتها من دون العودة إلى الدولة المركزية الأمنية. كما تستطيع محاكمة رموز النظام السابق من دون معاقبة الطائفة التي وُلدوا فيها.
الخيار الحقيقي ليس بين الأسد وداعش، ولا بين العلمانية والإسلام، بل بين دولة المواطنة ودولة الغلبة. الأولى تجعل الدين مصدرًا أخلاقيًا حرًا وتحمي التعدد وتخضع السلاح للقانون. أما الثانية فتستبدل بصورة الحاكم القديمة صورة جديدة، وتبقي البنية التي أنتجت الاستبداد كما هي. سقوط الأسد فتح بابًا تاريخيًا، لكن عبور السوريين منه يتوقف على قدرتهم على تحويل انتصار فصيل إلى تأسيس وطن.




