سفن حربية روسية تتسلل إلى طرطوس: ماذا وراء العودة الصامتة؟

بسام مقدادالثلاثاء 2026/09/15
سفن حربية روسية في ميناء طرطوس (Getty)
القواعد الروسية فقدت وظيفتها فور تغير النظام في سوريا (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

موقع الخدمة الروسية في "الحرة الأميركية" نشر في 12 الجاري نصاً، أعلن فيه أنه يحوز بشكل حصري على  صور تظهر وجود سفن حربية روسية في ميناء طرطوس. وأشار إلى أن ثلاث سفن إمداد ترافقها مدمرة لوحظت آخر الشهر المنصرم وهي تبحر بموازاة الشواطئ الإسبانية وتقصد ميناء بور سعيد. لكن بعد عبور مضيق جبل طارق أغلقت السفن أجهزة التتبع الخاصة بها، مما جعل من المتعذر متابعة خط سيرها. 

 

وكان الموقع الذي يرصد حركة القوات الروسية Russian Forces Spotter قد أكد آخر الشهر المنصرم على منصة X أن سفناً روسية ترافقها سفينة حربية تتجه نحو الجنوب باتجاه سوريا. وتؤكد الصور التي بحوزة "الحرة"، والتقطت مطلع الشهر الجاري، أن هذه السفن وصلت إلى مرفأ طرطوس لتفريغ حمولة مجهولة. ويشير الموقع إلى أن وجود هذه السفن يناقض ما سبق أن أُعلن رسمياً عن أن جزءاً من مجمع ميناء طرطوس قد تم تسليمه للسلطات السورية لاستخدامه في الأغراض المدنية. 

يشار إلى أنه بعد التوقيع على مذكرة التفاهم الروسية السورية في 9 آب/ أغسطس المنصرم، لوحظ أكثر من مرة إبحار سفن روسية متنوعة المهام وبرفقة سفينة حربية تبحر بمحاذاة الشواطئ الإسبانية متجهة نحو الجنوب. وما أن تعبر مضيق جبل طارق حتى تغلق أجهزة التتبع، لكن لم تثبت أي جهة رسوها في مرفأ طرطوس. 

 

تجدر الإشارة إلى أن مذكرة التفاهم أعلنت عنها وزارة الخارجية السورية عبر وكالة سانا، وقالت إن المنشآت المدنية في ميناء طرطوس تنتقل إدارتها إلى سوريا وتستخدم للأغراض المدنية. وأضافت سانا بأن القواعد الروسية لن تبقى عسكرية بل ستصبح مراكز تدريب وتأهيل مشتركة. أما الخارجية الروسية فقد أعلنت عن التوصل إلى المذكرة في 11 آب/ أغسطس، ووصفت المذكرة بأنها أداة لمواصلة التعاون العسكري مع سوريا. 

رأى الموقع الأميركي أن رسو البواخر الروسية في طرطوس يؤكد رأي المحللين بأن الحسابات الجيوسياسية الباردة أتاحت للكرملين الحفاظ على قواعده في سوريا، رغم أن التصريحات الرسمية، على ما يبدو، صيغت بطريقة توحي بعكس ذلك.

 

نقل الموقع عن الخبير البلغاري المستقل بشؤون الشرق الأوسط رسلان طراد، المولود من أم بلغارية وأب سوري، قوله بأن القيادة السورية الجديدة بحاجة إلى أشياء  لا  تستطيع أن توفرها إلا روسيا. واشار إلى أن ترسانات الأسلحة السورية لا تزال، كما كان الحال في عهد الأسد، تتكون إلى حد كبير من أسلحة روسية، وأن دمشق "تحتاج إلى إعادة ملء ترساناتها". 

كما نقل عن محلل شؤون الشرق الأوسط في معهد أبحاث الدفاع السويدي آرون لوند  قوله، إن الروس راهنوا رهاناً سيئاً على الأسد، لكنهم بعد ذلك لعبوا أوراقهم بمهارة إلى حد كبير، في حين أثبت خصومهم السوريون "أنهم براغماتيون للغاية". 

يضيف لوند بالقول، إن النفط والقمح الروسيان قد ساعدا سوريا على تجاوز الصدمات الاقتصادية، كما أتاح الصوت الروسي في مجلس الأمن الدولي استبعاد القيادة السورية الحالية من قوائم الإرهاب. وبالطبع، أتاح التعاون مع سوريا لروسيا الحفاظ على قواعدها، "وإن قد تكون بصيغة مختصرة ربما". 

في إشارته إلى القمح الروسي المصدر إلى سوريا، توقف لوند عند القمح الذي تصدره روسيا من الأراضي الأوكرانية المحتلة (للإضاءة على هذه القضية، تعاونت "المدن" أكثر من مرة مع الفريق الأوكراني المتابع لقضية الحبوب التي تسرقها روسيا من الإهراءات الأوكرانية"). وقال إن هذه قد أثبتتها المطبوعة التركية Türkiye Today في نيسان/ أبريل المنصرم. كما أشار إلى السفينة الروسية المحملة بالقمح الأوكراني التي اضطرت إلى مغادرة ميناء إسرائيلي إثر مذكرة للرئيس الأوكراني بشأن الباخرة تم تسليمها للحكومة الإسرائيلية.

 

أسئلة كثيرة يثيرها ما كشفت عنه "الحرة". ولعل أهم ما يثيره هو صمت الجانبين الروسي والسوري عن حقيقة رسو السفن الروسية برفقة مدمرة مضادة للغواصات في ميناء طرطوس. وإذا كانت السفن قد أوقفت عمل أجهزة المتابعة بعد عبور مضيق جبل طارق، ليصبح إبحارها اللاحق وكأنه تسلسلل إلى ميناء في الجنوب، فهل كان رسوها في طرطوس تسللاً أم عودة روسية صامتة إلى المرفأ بمعرفة دمشق؟ وهل تتطور العودة الصامتة إلى مرفأ طرطوس إلى قاعدة بحرية للأسطول الروسي في مهامه في شرق المتوسط وإفريقيا؟ وهل كانت نصوص مذكرة التفاهم الروسية السورية تحتمل تأويلين مختلفين، كما ظهر واضحاً من الصيغة التي أعلنت عنها كل من وزارتي الخارجية في البلدين؟

 

في النص الذي نشرته "المدن" في 11 الشهر الماضي جاء بأنه لا يمكن الجزم بما سيكون عليه الوضع النهائي لهذه القواعد، إلا بعد مرور الأشهر الثلاثة التي حددتها المذكرة لتنفيذ ما نصت عليه. ومع ذلك، وبعد مرور هذه الأشهر، لن يكون من السهل الجزم بما سيكون عليه الوجود الروسي في سوريا والمنطقة، وهل ستبقى هي نفسها المهام الإستراتيجية لهذه القواعد في إفريقيا وشرق المتوسط، أم أن المذكرة هي الصيغة التي اختارتها روسيا للتغطية على صورة "الدولة العظمى" التي خرجت مهزومة من سوريا؟

لم يتسن الوقت بعد للخبراء والمحللين للإدلاء بآرائهم حول تسلل السفن الحربية الروسية إلى طرطوس بعد مذكرة التفاهم بشأنها، وكيف أصبح عليه الوجود الروسي في سوريا والمنطقة. لكن بعض ما ظهر إثر الإعلان عن المذكرة من تعليقات المحللين الدائرين في فلك الكرملين الذين رأوا أن التأويل السوري للمذكرة قد أنهى الطابع العسكري للقاعدتين الروسيتين، لا يشبه إلا تعليقات جماعة حزب الله بشأن تلة علي الطاهر قبل تسليمه للإسرائيليين وبعده. فقد كان قبل التسليم قلعة الصمود ورمزه العصي على الإسرائيلي، وأصبح بعده غير ذي أهمية ولا يستحق الإبتهاج الإسرائيلي بتسلمه واعتبارها الطريق قد أصبحت سالكة نحو بيروت وبعلبك. 

بعد التوقيع على المذكرة، رأى خبير المجلس الروسي للعلاقات الدولية RIAC أنطون مارداسوف أن القواعد فقدت وظيفتها فور تغير النظام في سوريا. فقد اعتبر أن عمليات الردع السابقة التي كانت تنفذها وزارة الدفاع الروسية طوال هذه السنوات في شرق البحر المتوسط، عبر تقليص مساحة مناطق تمركز الأسطول السادس الأميركي، قد أصبحت مستحيلة الآن، حسب صحيفة Gazeta.ru في 9 الشهر الماضي.

 

موقع قناة التلفزة الدولية RTVI التابع لعملاق بروباغندا الكرملين RT بحث مستشرق روسي في نص نشره في 8 الشهر الماضي في ما تحصل عليه كل من روسيا وسوريا من "صفقة" القواعد العسكرية. 

رأى المستشرق غريغوري لوكيانوف أن المعلومات المتعلقة بالتفاهمات بشأن القواعد تحتاج إلى تأكيد، إذ لم يُعرض علناً سوى الموقف السوري. وقال إنهم في سوريا ينظرون إلى وجود القواعد الروسية، من جهة، باعتبارها إرثاً من حقبة نظام البعث التي ولّت. ومن جهة أخرى، يُنظر إليها باعتبارها منشآت لم يعد لها هدف محدد في ظل الظروف الجيوسياسية الجديدة والمتغيرة. كما اعتبر أن روسيا أيضاً لا تملك تصوراً واضحاً وحاسماً بشأن وظيفة هذه القواعد، في ظل تغيّر توازن القوى في الشرق الأوسط، وتبدّل أولوياتها في السياسة الخارجية والدفاع.

رأى لوكيانوف أن استئناف الوجود العسكري الروسي في هذا البلد تحديداً كان نقطة الانطلاق، والدافع القوي لتوسيع نطاق القضايا المطروحة، والارتقاء بمستوى علاقات روسيا مع مجموعة واسعة من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتغيير طبيعة هذه العلاقات.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث