ليس من سبب عسكري-ميداني يدعو نتنياهو إلى الذهاب إلى الأراضي السورية المحتلة في جبل الشيخ، ليوجّه من هناك رسالة عنجهيةٍ واستفزاز متعمّدين. وبالطبع لا تخفى رمزية التحدي ووجهته، إذ يصدر عن رجل تل أبيب الأول. ما لم يقله نتنياهو صراحة قاله وزير دفاعه، المرافق له في الجولة الاستعراضية، إذ توجّه إلى الشرع بالقول إن جنود الاحتلال موجودون "هنا"، وإنه يقف في الأعلى ليطل على دمشق، على بعد 35 كيلومتراً من قصر الرئاسة.
جدير بالذكر أن وجود مسؤولين إسرائيليين كبار توالى مؤخراً في المنطقة المحتلة منذ سقوط الأسد، لا في مرتفعات الجولان المحتلة منذ حزيران 1967. يُذكر أيضاً أن سقف مطالب دمشق في المفاوضات بين الطرفين ينص على عودة القوات الإسرائيلية إلى خطوط فض الاشتباك والهدنة التي أعقبت حرب تشرين الأول 1973، مقابل اتفاق أمني يلبي التخوّفات الإسرائيلية من خلطة السلطة الجديدة في دمشق، تحديداً التذرّع بوجود فصائل إسلامية لطالما حملت شعارات من قبيل الجهاد حتى إزالة إسرائيل من الوجود.
وزارة الخارجية السورية أدانت دخول نتنياهو "غير الشرعي" الأراضي السورية، مع تحاشٍ لاستخدام نبرة عالية، أو التذكير بأنه موجود وسط قوات الاحتلال. وعلى صعيد أوسع يظهر أن وقوف نتنياهو في قمة جبل الشيخ لم يستفزّ شرائح واسعة من السوريين، ويمكن الحديث عن "واقعية مفرطة" تكمن وراء الإعراض عن الخبر، ومن حيث لا يُقصد بتاتاً يفشل نتنياهو في استثارة السوريين، ليبقى تحقيق الهدف الأهم وهو تأثير استعراضه على الناخب الإسرائيلي، على مشارف انتخابات الكنيست القريبة.
في الأراضي السورية التي أشرف عليها، ونظر إليها نتنياهو بتعالٍ وسرور، يصادف بعد ساعات أن ينشر "الشيخ الذهبي" صورةً فيها قالب من الكاتو على شكل برجي مركز التجارة العالمي اللذين استُهدفا بهجوم إرهابي في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، مع طائرتين تخترقانهما، ولا تفوته الشماتة إذ يعلّق بأنها مجرد صورة رمزية لمحاربة السمنة! الشيخ الذهبي، كما يعلم السوريون، هو داعية مصري مطلوب في بلاده، ويملك الحظوة في سوريا بحيث ينشط لتوزيع مليون "لباس شرعي" على السوريات بموجب ما يعلن، وفي مناسبات سابقة تصدّى أنصار السلطة للنقد الموجَّه إليه بذريعة الحرية التي تسمح بالعمل الدعوي.
الشيخ الذهبي ليس منصرفاً تماماً إلى تحجيب مليون سوريّة، فلديه فائض من الوقت ليعلن عن إلغاء حفل المغنّية أصالة نصري المقرر يوم الخميس المقبل في صالة الفيحاء. ذلك قبل إعلان وزارة الثقافة عن إقامة الحفل في مكانه وموعده بلا تغيير، والمهم أن الشيخ الذهبي استطاع أن يؤلّب مشايخ آخرين أقل شهرة على الحفل، وراحت تبريراتهم للمطالبة بإلغائه تنتشر، وتستقطب تأييداً من البعض واستنكاراً من البعض الآخر. وبما أن المغنية المعنية كان لها موقف مناصر للثورة على الأسد، أتت حجج المطالبين بالمنع صريحة لجهة رفضهم الغناء وما تجرّه الحفلات من وجود جمهور مختلط، ثم ما قد يجرّه الاختلاط من معاصٍ وفق تصوراتهم.
الذهبي وأمثاله ليسوا ظواهر فردية معزولة، فهم يتحدّثون من موقع امتلاك السلطة، حتى إذا انتقدوها، ويتحدّثون من موقع امتلاك صوت الجماعة وغلبتها، ولو أنهم لم يستفتوا الجماعة التي نصّبوا أنفسهم ناطقين باسمها. وبالطبع هم يتحدّثون كناطقين باسم الدين، ولا أحد يردعهم إذ ينصّبون أنفسهم أصحاب الحق الحصري في تأويله وتفسيره. ضمن هذا المناخ العام لا غرابة في أن تعلن مدرسة الحرية في دمشق "اللاييك سابقاً" الفصلَ بين الجنسين في فصولها وفي باحتها أيضاً، ثم تبرر قرارها بحدوث مشاكل بين الطلاب المراهقين، بعضها بدوافع عاطفية.
وبينما لا يُعرف مصير قرار مدرسة اللاييك التي حذفتْه من حسابها على وسائل التواصل، تتوالى الأخبار من الأهالي عن الفصل بين الجنسين في مدارس حكومية كانت مختلطة، ما يوحي بأن قرار اللاييك الخاصة ضمن توجه عام نحو إلغاء المدارس المختلطة جميعاً بدءاً من الابتدائي وصولاً إلى الثانوي، ولا يُستبعد حدوث شيء مماثل في المرحلة الجامعية. وكانت منشآت عديدة، منها بعض المستشفيات، قد طبّقت مبكراً أنواعاً من الفصل بين الجنسين، منها تخصيص مصاعد خاصة بالنساء وأخرى بالرجال، وقائمة الممارسات المشابهة تطول، وتنطوي جميعها على نهج واضح ومنسجم يهدف إلى تخفيض حضور النساء في الفضاء العام المشترك بين الجميع وبين الجنسين.
السياق السابق بمجمله يستجر سجالاً حول قضية الحريات من حيث المبدأ، فإذا كانت "الدولة" تريد توفير مدارس غير مختلطة للراغبين فحقوق المواطنين المتساوية ترتّب عليها تأمين مدارس مختلطة للراغبين أيضاً. ليس من شأن الدولة الحديثة المعاصرة المفاضلة بين الحقوق والثقافات والانحياز إلى ثقافة مجتمع بعينه، فالشعوب أينما كان هي عبارة عن مجتمعات غير متماثلة ثقافياً، والدول المحترمة تكفل الحق في التعدد الاختلاف، ولا تتبنى أية ثقافة بزعم أنها "ثقافة الأكثرية".
التعبير الأخير مضلِّل في الأصل، إذ لا توجد ثقافة أغلبية، وبما أن المقصود هي الأغلبية المسلمة السنية فمن السهل تفنيد دعوى تماثلها. السنة مختلفون مثلاً بين مدن وأرياف في الكثير من العادات والتقاليد، بما فيها ما يخص النساء والاختلاط بين الجنسين، وأيضاً ما يخص الحجاب. يبقى التنويه بأن الأرياف نفسها غير متماثلة على الإطلاق، وكذلك هي أحياء المدن غير المتشابهة. ولا بأس في التذكير بأن السُنة لم يكونوا كما هم الآن طوال العصور، فسُنة اليوم غير سُنة الخمسينات، وغير سُنة 2050 على سبيل المثال، أي لا توجد ثقافة أغلبية سُنية لا في الوقت الراهن، ولا عبر الزمن؛ هذه كذبة كبرى تُمتطى لتحقيق مآرب سياسية، منها إقناع السُنة أنفسهم بأنهم متماثلون.
قد لا يكون إغراق سوريا بهذه السجالات بريئاً، فهي بديل عن الكلام في الأولويات الخاصة بالانتقال من وضعية البلد المنكوب إلى بلد يتعافى حقاً، ويتشارك أبناؤه دفن المرحلة الماضية والتفكير في المستقبل، بلا تفاضل بينهم على أساس الدين أو العرق أو الجنس. هذه السجالات ليست من اجتراح غير الإسلاميين، فإسلاميو العهد الجديد هم الذين يولّدون باستمرار المشاكلَ التي تستدعيها، ومن منطق الهيمنة والتسلط والاستقواء.
فوق كل التفوق التقني والعسكري، يستطيع نتنياهو أن يطل بسرور من قمة جبل الشيخ على بلاد دمّرها النظام السابق لأنه رفض التعددية السياسية. والآن يُقضى على التعدد الاجتماعي بزعم ثقافة الأغلبية، وتُفرَض مناقشة أبسط مبادئ الحريات الشخصية بدل التفكير العام المشترك في قضايا الانتقال السياسي والتنمية وإعادة الإعمار والبناء. نعلم أن سوريا المنكوبة، في أفضل حال لها، لن تستطيع منع نتنياهو من ممارسة عنجهية فائض القوة العسكرية، إلا أن حالاً أفضل لسوريا سينغّص عليه ابتسامته؛ ما كان لنتنياهو، الذي يريد دولة لليهود وحدهم، أن يبتسم لو كانت في المقابل منه دولةُ الجميع للجميع.




