سوريا والمثال الكردي: من الجنرال إلى المستشار

علي جازوالأربعاء 2026/09/09
Image-1768905543
سوريا بحاجة إلى نموذج يراعي تعددها المجتمعي والاقتصادي (الرئاسة السورية)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تكن قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، ولا حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، نموذجاً اختاره أكراد سوريا بمحض إرادتهم. كانت "قسد"، منذ عام 2015، صيغة وظيفية أمنية وعسكرية، بدعم دولي مشروط، جرى تكبير وزنها السياسي والأمني على نحو لم يعد ممكناً معه المضي في الصيغة نفسها والاستمرار بها.

 

لقد تغيرت دمشق جذرياً، وما كان ينبغي للقامشلي أن تتأخر عن اللحاق بها.

وعلينا ألا نغفل أن ما من أقلية أو أغلبية سورية اختارت نموذجها المرغوب ومثالها المطلوب. في كل منطقة سورية حكمت ظروف اضطرارية، ولم يتح للسوريين أن يلتقطوا أنفاسهم، وأن يفكروا بحرية ومسؤولية في مستقبلهم، على نحو عقلاني أساسه استعادة كرامة السوري.

لكن واقع الحال القسري، والعنف المنفلت من كل صوب، وظروف المعيشة الصعبة والقاسية، أفرزت نماذج على الأرض؛ نماذج إدارية وأمنية لم يكن ممكناً تجاوزها وطي صفحتها قبل فرار الأسد وسقوط النظام السوري، ليلة 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024.

هذه النماذج، نماذج الأمر الواقع، هي التي يجري الآن ضم بعضها إلى بعض. والمسار الذي أوصل "قسد" إلى حل نفسها مرّ عبر جولات من التفاوض، وجولات من العنف، ومحاولات متكررة لإعادة رسم العلاقة بين المركز والأطراف. وفي النهاية، اتخذ الاندماج صيغة مقبولة إقليمياً، ومطلوبة وملحّة دولياً.

والقول إنَّ هناك نموذجاً كردياً في سوريا لا يراد منه الإعلاء من شأنه ولا الانتقاص منه. لكنه يُدخل إلى السياسة في سوريا نفسها نموذجاً جديداً، ونَفَساً مختلفاً عما عهده السوريون طوال عقود من التصحر السياسي، والعنف الفظيع.

 

الآن لم تعد لحكومة المركز في دمشق اليد العليا في فرض مطالبها وتنفيذها من دون النظر في مطالب الطرف الآخر، جغرافياً وقومياً. وما جرى من تفاوض بين "قسد" ودمشق، على مشقته وغموض نتائجه حتى اليوم، يعطي مثالاً، على عثراته ومطباته، يمكن للسوريين مراكمته والبناء عليه.

دمشق بحاجة إلى بسط سلطتها، ولملمة ما تمزق منها ونأى عنها. والقرب الكردي السوري من المركز، ومشاركته في اتخاذ القرار، يضفي على المركز صيغة لا مركزية، وإن لم تُقر علناً وفعلاً. وهذه اللامركزية هي الصيغة المفيدة لعموم سوريا، وليس للكرد وحدهم.

ربما بات نموذج الحكم المركزي نفسه سبباً لمشكلات إدارية وخدمية لا تحصى. سوريا بحاجة إلى نموذج يراعي تعددها المجتمعي والاقتصادي. فما ينفع لدمشق وحلب قد لا يصح في الشمال أو الجنوب. وما يصلح في مدينة قد لا يصلح في مدينة أخرى. الدولة الواحدة لا تعني بالضرورة إدارة واحدة، ولا تستلزم أن تكون العلاقة بين المركز والأطراف علاقة أوامر وتنفيذ.

ومسارات الاندماج نفسها، أمنياً وخدماتياً وحكومياً، تعني أن شيئاً يتوحد داخل سوريا نفسها للمرة الأولى. لم تعد القرارات تُفرض من فوق وحده؛ إنها تُتخذ بالتشاور والحوار والتشارك. انتهى في سوريا زمن الصوت الواحد واللون الواحد. والتعدد السوري الفعلي يجد صداه اليوم في القصر الرئاسي.

 

مساء 25 آب الماضي، ليلة تحوّل الجنرال إلى مستشار، بما يحيل إلى السلم والابتعاد عن السلاح والعنف، كان صوت عبدي بالعربية يوحي بنبرة غير فصيحة ولا متكلفة. لم يكن يخطب كما جرى في الخطب الشعاراتية البعثية والأسدية. اللا فصاحة واللا جزالة هما الأقرب إلى حال السوريين عموماً، وليس الكرد فقط.

لم يعد الكلام خشبياً جامداً. يدخل الكلام هنا تاريخاً من الصمت، وتاريخاً من الحلم، ومن الخسارة والانتصار؛ من الإقرار بالحقيقة والموضوعية والعقلانية، ومن حس عالٍ بالتواضع، ومن رغبة عميقة وأمل بغد أفضل لسوريا كلها. التلكؤ هو مزيج الصمت والحلم وقد تحوّل إلى كلمات.

يقرأ عبدي ويعلن لحظة تحول جديدة في سوريا؛ تحولاً نحو التعافي وتنظيم العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الأقلية والأغلبية، وبين عرب سوريا وكردها، وبين السوريين مجتمعاً ولغةً وثقافة عيش.

ليست الحروب وحدها ما يصنع التاريخ. ولسنا أسرى لما يفعله التاريخ بنا. وربما هذا ما يمكن استخلاصه من قرار حل "قسد" وإكمال مسار الاندماج، على الأقل في الشق الأمني والعسكري.

 

كان لـِ "قسد" وظيفة وانتهت، وبات عليها أن تخلع ثوب الماضي، وأن تجدد نفسها مضموناً لا شكلاً، فعلاً لا قولاً. وأن تعود إلى ماضيها لا لتستعيده، وإنما لتقر بأخطائها. وليس "قسد" وحدها، بل أي طرف في الحكم. فالسوريون جميعاً مدعوون إلى مراجعة ما فعلوه، وما فُرض عليهم، وما اضطروا إليه، وما كان يمكن تجنبه لو أتيح لهم، في وقت أبكر، أن يتحدثوا بدلاً من أن يتقاتلوا.

الآن يسمع الكردي السوري لغته، لغة حقه واستحقاقه، بالعربية من داخل القصر الرئاسي في دمشق. اللغة هنا ليست النطق بالعربية أو الكردية، وإنما المعنى؛ ليست الشكل، بل الفحوى. لم تعد الشام بعيدة عن عامودا، ولم تعد قامشلو غريمة دمشق. ليس الكبير عدو الصغير، ولا الصغير أقل قيمة وغنى من الكبير.

الاندماج الفعلي يحمل معاني التكامل والاستيعاب والتضافر؛ روح الوحدة من دون إكراه، ومعنى التعاون من دون إلزام ولا إجبار. الدولة التي تستوعب اختلاف أبنائها أقوى من دولة تخشى اختلافهم. التكامل السوري السوري ليس شأناً كردياً وحسب. لكن المثال الكردي يعطي جرعة أمل، وخطوة إلى الأمام، واعترافاً مشتركاً بين الطرفين بأن العنف السوري السوري مرفوض وضار ولا يفيد أحداً، ولا ينبغي أن يتكرر في أي منطقة سورية، ومع أي جماعة أو فئة دينية أو عرقية. 

 

ثمة صيغة مدنية للحكم تلوح في سوريا، وإن كانت غامضة بعد وهشة ربما. وما تحوّل مظلوم عبدي من جنرال عسكري إلى مستشار رئاسي سوى علامة على تحول نحو حكم مدني لعموم المناطق السورية، وعدم عودة شبح العسكر إلى حكم سوريا من جديد.

وربما لا تكمن أهمية هذه اللحظة في أنَّ طرفاً انتصر وطرفاً آخر تراجع، ولا في أن دمشق استردت ما فقدته أو أنَّ "قسد" حصلت على ما أرادته. أهميتها الحقيقية أن الطرفين، بعد القطيعة والشك والعنف، وجدا أن الجلوس إلى الطاولة أقل كلفة من البقاء في الخندق. ليس المطلوب أن تصبح سوريا نسخة واحدة تجتر نفسها، بل أن تصبح سوريا قادرة على العيش مع تعددها واختلافات بناها الاجتماعية والثقافية. ليست الوحدة أن يتشابه السوريون، أو يدعوا الأخوة والتضامن اللفظي، إنما أن يجد المختلف بينهم مكانه في الدولة نفسها، وحقه في الكلام واللغة، وعدم المس بكرامته.

وهنا ربما تكمن القيمة الأبعد لمسار الاندماج: أن السلاح الذي كان لغة التفاوض بدأ يفقد معناه، وأن المركز الذي كان يرى في الأطراف مشكلة أخذ يراها شريكاً لا خصماً. وإذا نجحت هذه التجربة، فلن يكون المستفيد منها الكرد وحدهم، ولا دمشق وحدها، إنما سوريا التي لا تزال حتى اليوم بعيدة عن تحقيق أحلام ثورتها. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث