اختبار جديد لدبلوماسية ترامب في الحرب الأوكرانية

بسام مقدادالثلاثاء 2026/09/08
زيلينسكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير (الإنترنت)
ناقش زيلينسكي مع ويتكوف وكوشنير استعدادات بلاده لاستمرار الحرب خلال الشتاء (الإنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تكن زيارة المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير إلى موسكو ثم كييف، مجرد جولة دبلوماسية أخرى بشأن الحرب الأوكرانية. ويتمثل جديدها في أن واشنطن حاولت، عبر تحرك واحد، أن تضع نفسها في موقع الوسيط الذي يستمع إلى طرفي الحرب بصورة منفردة، ثم يبحث معهما عن صيغة تسمح بإعادة تنشيط المسار التفاوضي الثلاثي الذي توقف منذ شباط/ فبراير المنصرم، بسبب إنهماك الولايات المتحدة في الحرب الإيرانية. على أن الاتصالات بين الولايات المتحدة وكل من الطرفين لم تتوقف خلال هذه الفترة، وتنشطت من خلال زيارة مدير الـ CIA إلى موسكو قبل 11 يوماً من زيارة المبعوثين الجديدة. 

 

جولة مبعوثي ترامب التي بدأت من موسكو في 5 الجاري لم تترافق، حتى الآن على الأقل، مع تغير في مواقف طرفي النزاع. فقد انتهت المحادثات في موسكو وكييف من دون حتى إعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار، رغم اللغة الإيجابية التي استخدمها المبعوثان الأميركيان والجانبان الروسي والأوكراني في وصف اللقاءات. وهذا ما يجعل السؤال الأهم حول الزيارة: هل نجحت واشنطن في تقليص الفجوة بين موسكو وكييف بما يكفي لفتح طريق تفاوضي جديد؟

عشية توجه مبعوثي ترامب إلى عاصمتي الحرب، موسكو وكييف، صرح ترامب للصحافيين أن ويتكوف وكوشنير يحملان إلى موسكو وكييف اقتراحاً لإنهاء الحرب. وقال: "لدينا فكرة حول كيفية تحقيق السلام. أرسلناهما إلى هناك لمعرفة ما إذا كان بالإمكان تحقيق شيء ما، ومن المحتمل جداً أن ننجح في ذلك". وفي رده على السؤال حول تزايد القلق في الغرب من احتمال الهجوم الروسي على أحد بلدان الناتو لاختبار وحدة الحلف، كرر ترامب موقفه بأنه لا يصدق بوجود مثل هذه المخططات لدى الزعيم الروسي، وقال "أنا أتواصل معه، وأعرفه جيداً جداً. بوتين لا يعتزم مهاجمة أراضي حلف الناتو"، وفق الخدمة الروسية في "الحرة" الأميركية في 5 الجاري. 

 

عن محادثات مبعوثي ترامب مع بوتين في موسكو، صرح للصحافيين مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية يوري أوشاكوف بأن المحادثات التي جرت في الكرملين، واستمرت لأكثر من ثلاث ساعات وانتهت قبيل منتصف الليل، كانت "بناءة وصريحة وفي صلب الموضوع". لكنه لم يكشف إلا القليل بشأن ما إذا كانت الزيارة قد حققت أي تقدم نحو التوصل إلى هدنة، وفق الواشنطن بوست في 5 الجاري. وقال أوشاكوف إن مبعوثي ترامب قد طرحا في اللقاء مع بوتين "عدداً من الأفكار بشأن المسارات المحتملة للتوصل إلى تسوية"، وتعهدّا "الأخذ بالاعتبار الملاحظات التي تلقياها من بوتين" خلال زيارتهما إلى كييف في اليوم التالي. 

لاحظت الصحيفة أن بوتين استقبل مبعوثي ترامب في الكرملين بملاحظة سلطت الضوء على التحدي الذي واجه الوفد، والمتمثل في إقناع روسيا بالمضي نحو وقف إطلاق النار، بعدما أظهر الرئيس الروسي باستمرار عدم رغبة تُذكر في التخلي عن أهدافه القصوى في أوكرانيا. فبعد أن وصف الوضع بأنه "معقد بالتأكيد"، وطلب إلى الوفد "نقل أطيب تمنياتي وعبارات امتناني إلى رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب الذي، مع إدراكه أنه يتعامل مع وضع صعب على العموم، فإنه مع ذلك يواصل جهوده للمساعدة في حل النزاع الروسي الأوكراني". 

 

أشارت الصحيفة إلى أن مدير الـ CIA جون راتكليف الذي زار موسكو قبل 11 يوماً من زيارة ويتكوف وكوشنير، كان قد حث روسيا على العودة إلى المفاوضات الثلاثية، معتبراً أنَّ موقف روسيا ضعيف وأنه سيتدهور أكثر، وفقاً لثلاثة أشخاص كانوا مطّلعين على محادثاته. لكن روسيا، في الأيام التي تلت ذلك، لم تفعل سوى تكثيف قصفها لأوكرانيا. كما حذر راتكليف حينها نظراءه في أجهزة الاستخبارات الروسية من أن تصعيد الحرب سيكون له نتائج عكسية على روسيا. 

ذكّرت الصحيفة بأن ترامب صرح يوم الجمعة 4 الجاري عشية سفر الوفد إلى موسكو بأنه قرر إرسال ويتكوف وكوشنير إلى موسكو وكييف "لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا إنجاز شيء ما". وليست المرة الأولى التي يختصر فيها ترامب الحرب الروسية على أوكرانيا المستمرة منذ العام 2014 بمشكلة شخصية، حيث قال "هناك مشكلة شخصية بين روسيا وأوكرانيا. لديك الرئيس فولوديمير زيلينسكي والرئيس بوتين. إنهما يكرهان بعضهما بعضاً حقاً. هل تعرفون ما هو الكره؟ لديهما كراهية شديدة، وهذا يقف عائقاً أمام التوصل إلى حل بينهما". 

 

موقع الخدمة الروسية في صحيفة The Moscow Times الأميركية نشر في 6 الجاري نصاً نقل فيه عن المبعوثين الأميركيين بأنهما أعلنا بعد زيارة كييف عن عزمهما على وضع "خطة سلام محدّثة" بالتعاون مع طرفي الحرب الأوكرانية، وتحقيق اختراق قبل حلول فصل الشتاء.

نقل الموقع كلام المبعوثين هذا عن مصدر لمطبوعة Axios الأميركية شارك في المحادثات بين المبعوثين الأميركيين والمسؤولين الأوكران. وأضاف، أن الوضع قد يتحسن إلى الأفضل إذا قام جميع الأطراف المعنيين باتخاذ "الخطوات المناسبة". وأكد أن اللقاء مع زيلينسكي والمسؤولين الآخرين قد جرى "على نحو جيد". 

أشار Axios إلى أن الرئيس الأوكراني ناقش مع ويتكوف وكوشنير إجراءات إعداد البلاد لاستمرار الحرب خلال فصل الشتاء. وحسب قوله، أكد المبعوثان أنهما يريدان تحقيق خرق في المفاوضات قبل حلول الشتاء. وأكد الموقع أنه في اللقاء الثاني بين زيلينسكي والمبعوثين الأميركيين شارك مستشارو الأمن في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا. 

 

بعد اللقاء الأول مع زيلينسكي، صرح كوشنير بأن ترامب قد وضع نصب عينيه ليس فقط إنهاء الحرب، بل خلق الظروف لسلام طويل الأمد في أوكرانيا، حسب وكالة الأنياء الأوكرانية UNIAN. ويجب أن تستبعد اتفاقات السلام إمكانية اندلاع حرب جديدة، وأن تتيح لأوكرانيا توجيه جهودها نحو تنمية البلاد. وتبعه ويتكوف قائلاً: "نحن متحمسون ومستعدون لمواصلة العمل، مهما استغرق الأمر من وقت". ورأى أن على الولايات المتحدة أن تعود لمعادلة المفاوضات الثلاثية التي كانت قائمة قبل الحرب الإيرانية. ونقلت عنه وكالة الأنباء الأوكرانية الأخرى INTERFAX تصريحه بأنهما قد تحدثا إلى الطرفين، ولذا، يحدوهما الأمل بتحقيق تقدم في هذه المسألة "قريباً جداً". 

 

طلبت "المدن" من البوليتولوغ الأوكراني أوليغ ليسني إبداء رأيه في زيارة مبعوثي ترامب إلى موسكو وكييف. ويمكن أن نتلمس في رده رغبة الأوكران الشديدة والمفهومة بإنهاء الحرب الروسية عليهم. وإذا كانت هذه الحرب قد بدأت العام 2014 واقتصرت مآسيها وويلاتها على الشرق الأوكراني، فقد أصبحت بعد الغزو الروسي الشامل في العام 2022 من يوميات الأوكران في كل المناطق.

رأى ليسني أن زيارة المبعوثين الأميركيين، هي بالدرجة الأولى، محاولة إعادة إطلاق عملية التفاوض التي شهدت في الأشهر الأخيرة تعثراً ملحوظاً. ويتضح من تصريحات الأميركيين أنفسهم أن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد استعادة الاتصالات. فمهمتهم هي محاولة تقريب مواقف الطرفين، وتقليص الخلافات القائمة، ومعرفة ما إذا كانت هناك مساحة لمواصلة التقدم في مسار المفاوضات. ومن المهم في هذا السياق أنهم قد حملوا معهم من موسكو إلى كييف بعض الأفكار الجديدة، التي جرى بحثها لاحقاً مع الجانب الأوكراني. وهذا يعني أننا لا نشهد زيارتين منفصلتين، بل مهمة وساطة واحدة في الواقع.

يولي ليسني أهمية كبيرة لمشاركة الترويكا الأوروبية في المفاوضات، لذلكَ يرى أن النتيجة الرئيسية لمهمة الأميركيين لا تتمثل في التوصل إلى اتفاقات ما محددة، بل في محاولة إنشاء آلية تفاوض عملية لم تكن متوفرة في الأشهر الأخيرة. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث