الخليج العربي: من التهديد الإيراني إلى هاجس الهيمنة الإقليمي

ليلى نقولاالأربعاء 2026/08/26
Image-1772647402
التهديد بات يكمن في تراجع الضمانة الأمنية الأميركية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أدّت التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما خلال عامي 2025 و2026، إلى تحوّلات عميقة في البيئة الاستراتيجية الإقليمية، وخصوصاً في منطقة الخليج العربي، حيث أعادت دول الخليج تقييم تصوراتها للتهديدات ولمفهوم الأمن القومي ذاته. لم تعد التصورات كما كانت خلال فترة العقدين السابقين التي تلت حرب العراق 2003 حيث تحوّل خلالها "التهديد الإيراني" إلى المسألة الأكثر أولوية، بينما باتت اليوم تتعلق بطبيعة النظام الإقليمي نفسه..

من منظور واقعي، تنظر الدول إلى التهديدات الخارجية في الاقليم انطلاقاً من مجموعة عوامل، أبرزها القدرات العسكرية والطموحات السياسية والنوايا الاستراتيجية للدول المجاورة أو ضمن النظام الإقليمي. وعلى هذا الأساس، تتشكّل "معضلة الأمن" الإقليمي كلما ازدادت قدرات إحدى الدول مقارنةً بجيرانها، ما يدفع الدول الأخرى إلى زيادة قدراتها لموازنتها، وهكذا دواليك.

انطلاقاً من هذا المنظار الأمني، يمكن القول إنَّ السنوات 2025-2026 تحديداً مثلت نقطة تحوّل في التفكير الاستراتيجي الخليجي، على الشكل التالي:

 

أولاً: نهاية مرحلة التهديد الواحد

منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وحتى منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تمركز التفكير الأمني الخليجي حول إيران بوصفها التهديد الرئيسي. وقد استند هذا التصور إلى أربعة عوامل: البرنامج النووي الإيراني، القدرات الصاروخية، شبكة الحلفاء والوكلاء الإقليميين، القدرة على تهديد الممرات البحرية والطاقة.

وخلال هذه الفترة، جعلت دول الخليج العربية مشاريع التنمية والاستثمار الاقتصادي أولوية في ترتيبات أمنها القومي، ما يجعل الاستقرار السياسي والأمني شرطاً وجودياً لاستمرار المشاريع التنموية.

أظهرت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، خطورة أن يتحول الخليج نفسه إلى ساحة ارتدادات للصراعات الكبرى، وبيّنت هشاشة البنية الاقتصادية الخليجية أمام أي تصعيد عسكري واسع، فبدأ مفهوم التهديد يتحوّل من "تهديد الدولة المعادية" إلى "تهديد عدم الاستقرار الإقليمي" ككل.

 

ثانياً: تغيّر النظرة إلى إسرائيل 

لعل أبرز تطور حصل في السنوات الأخيرة هو التغير في النظرة الخليجية لإسرائيل. لطالما نظّرت بعض النخب الخليجية -ومنها مَن في مواقع القرار- إلى أنَّ إسرائيل يجب أن تكون شريكاً لدول الخليج العربية ضد إيران. كما برزت في هذا الإطار اقتراحات أميركية لتأسيس "ناتو شرق أوسطي" لمواجهة التهديد الإيراني، لم يكتب له النجاح.

أدّت السياسة الإسرائيلية التوسعية وخطابات بنيامين نتنياهو حول إنشاء محور يمتد "من الهند إلى كوش"، وخطابه حول الانتقال لمواجهة "المحور السنّي المتشكل بعد الانتهاء من المحور الشيعي المتهالك" إلى تغيّر في النظرة إلى الدور الإسرائيلي في المنطقة. وأدّت السياسات الاسرائيلية في مرحلة ما بعد حرب غزة إلى تعزيز تصورات لدى بعض النخب السياسية والاستراتيجية الخليجية، بوجود رؤية إسرائيلية تسعى إلى لعب دور قيادي مهيمن على النظام الإقليمي الشرق أوسطي ككل.

من منظور واقعي، تبدأ الدول بالقلق عندما تبدأ قوة إقليمية بالتفكير بمنطق هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. وعلى هذا الأساس، يمكن فهم قصف إسرائيل قاعدة أبو الظهور السورية، بذريعة منع تموضع عسكري تركي، وإطلاق مسؤولين إسرائيليين تهديدات ضد تركيا، بوصفهما مؤشرين إلى استعداد إسرائيل لتوسيع دائرة استخدام القوة العسكرية ليس فقط ضد محور إيران وحلفائها، بل أيضاَ ضد قوى إقليمية أخرى.

في المرحلة الحالية، لا يبدو أن دول الخليج انتقلت من اعتبار إيران التهديد الرئيسي إلى اعتبار إسرائيل أنها ذلك التهديد الرئيسي، بل أصبحت تنظر إلى بيئة إقليمية متغيّرة توجب مراقبة مختلف القوى الساعية إلى توسيع نفوذها أو إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية القائمة.

 

في الخلاصة، أدّت تطورات السنوات الأخيرة، وتحوّل الخليج إلى ساحة صراع بين إيران والولايات المتحدة، إلى إدراك خليجي متزايد أن التهديد بات يكمن في تراجع الضمانة الأمنية الأميركية، وفي خطر تحوّل الخليج إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، وفي المشاريع الطامحة إلى إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي أو الهيمنة على النظام الإقليمي. وهنا، لم تعد المشكلة تكمن في هوية القوة المهيمنة، بل في ظهور قوة مهيمنة من الأساس.

وعلى هذا الأساس، يبدو أن أبرز ارهاصات الحرب الأخيرة هي تحوّل الخليج من استراتيجية مواجهة خصم محدد (إيران) إلى عقلية إدارة توازنات نظام إقليمي متعدد الأقطاب تتنافس قواه على النفوذ وإعادة تشكيل قواعده. وهذا، على الأرجح، سيكون التحول الاستراتيجي الأعمق الذي سيحدد سياسة الخليج العربي خلال العقد المقبل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث