في العام 2018، وإثر خلاف على تعيين كاهن جديد لكنيسة قرية دير الجرنوس بمحافظة المنيا في صعيد مصر، تجمهر عدد من الأقباط ورفضوا استقبال الكاهن الجديد والمعين من خارج القرية، وقاموا بإغلاق أبواب الكنيسة في وجهه ووجوه مرافقيه. حينها تقدمت مطرانية مغاغة والعدوة التابع لها الكنيسة، ببلاغ لدى الأمن ضد أفراد رعيتها. انتهى التمرد الصغير لأهالي القرية الأقباط ضد هيراركية الكنيسة واستيلاءهم المؤقت على دار عبادتهم، بعقد صلح مع المطرانية والاتفاق على إدارة مشتركة للشؤون المالية والإدارية لكنيستهم، عبر مسؤول من المطرانية بالمشاركة مع أحد العلمانيين من كبار أقباط القرية. بدا ذلك حلاً وسطاً مرضياً لجميع الأطراف، وإن تم تحت التهديد باليد الغليظة للأمن. لكن السؤال الذي طرحته الواقعة -مع إن أجابته معروفة سلفاً- هو: إلى من تنتمي الكنيسة، إلى الأهالي المحليين أم إلى السلطة الكهنوتية؟
كان اسم الأنبا أغاثون، أسقف مغاغة والعدوة في القلب في الأزمة الصغيرة لدير الجرنوس، انتفض الأهالي ضده على وجه التحديد، وأجبروا في النهاية على تقديم اعتذار موجه له شخصياً لتسوية القضية وسحب البلاغات الأمنية ضدهم. يعود اسم الأسقف ذاته للظهور الأسبوع الماضي، في واقعة الاختفاء القسري للمواطن القبطي باسم وهبة مكاري، والمعروف باسم باسم الجنوبي. يفترض أن إلقاء القبض على الجنوبي جاء على خلفية تعليقات سياسية له على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد الدولة، لكن ومع إعلان وزارة الداخلية إلقاء القبض عليه بناء على بلاغ تقدم به الأنبا أغاثون، قبل عامين، يتهمه فيه بالتطاول والإساءة في منشورات له على وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت المنشورات التي يشير إليها البلاغ تتعلق بنقد موجه إلى الأسقف وطريقة إدارته لشؤون مطرانيته.
لا يمكن الجزم إن كان القبض على الجنوبي ومن ثم إطلاق سراحه على ذمة القضية، جاء بسبب نقده للنظام الحاكم أم لسبب آخر. ولذا، يصعب التأكد من مدى صحة رواية الداخلية؛ أي إن كان التحرك ضده بالفعل مدفوعاً بالبلاغ الكنسي، أم إن ذلك البلاغ المجمد لمدة لعامين كان مجرد حجة تم إخراجها من الأرشيف الأمني المكدس. لا يهمنا الإجابة على تلك الأسئلة هنا، لأن اللافت والأهم هو الطريقة التي يجد فيها الجنوبي نفسه واقعاً تحت نير القمع المزدوج للدولة والكنيسة معاً، بوصفه مواطناً قبطياً.
تستدعي الكنيسة الدولة وبالأخص مؤسساتها الأمنية والقضائية من أجل قمع رعيتها وإخضاعهم للسلطة المطلقة للكهنوت على حياتهم الشخصية وإدارة الشؤون الدينوية للطائفة وممتلكاتها. وتستدعي الدولة الكنيسة من أجل إخضاع المواطنين الأقباط وتحشيدهم سياسياً لصالحها، وكما في حالة الجنوبي توظف الدولة وشاية الكنيسة ضد أبنائها لعقابهم على مروقهم السياسي. ذلك الاستدعاء المتبادل، يقترب إلى حد تماهي الكنيسة مع أجهزة الأمنية.
المنافسة التاريخية الطويلة بين الإكليروس والعلمانيين على إدارة شؤون الأقباط، حسمتها الدولة الناصرية قبل وقت طويل لمصلحة الكهنة، وذلك بعدما تم تجميد المجلس الملي أو تحويله إلى هيئة صورية تابعة للكنيسة. في حالتي قرية دير الجرنوس والجنوبي ، تبرز القضية ذاتها؛ أي حق الأقباط في إدارة شؤون كنائسهم ومحاسبة كهنتهم. بالطبع، تتمتع الكنيسة برصيد كافٍ من الرأسمال الرمزي يمكنها من حل تلك المعضلات الداخلية بيسر ومن دون ضجيج. لكن تراجع مفهوم السياسة بالعموم لمصلحة البطش، شجع بعض من رجالات المؤسسة الكنسية إلى التماهي مع الحلول الأمنية للدولة.
بشكل غريزي، تتكافل الأنظمة الأبوية شديدة التراتبية مع بعضها بعضاً، وترسخ من سلطة الواحدة الأخرى، السلطة الأمنية والمؤسسات الروحية والبنى الذكورية والطبقية وغيرها. ولا عجب أن يجد المرء نفسه معرضاً للسجن لتمرده على أيٍ منها، ولا عجب أيضاً أن تحل بسهولة تهمة التمرد على واحدة محل تهمة التمرد على أخرى.




