كما كان متوقعاً نال مفتي الأسد أحمد حسون عقوبة السجن المؤبد، وهي أقل بقليل من عقوبة الإعدام التي طالب بها الادّعاء في القضية التي نظرت فيها محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، وانعقدت جلستها الأولى في 25 حزيران الفائت، ليصدر الحكم في الجلسة الخامسة. لائحة الاتهام تتضمن جرائم ضد الإنسانية، من بينها دعم السلطة السابقة في جرائمها ضد السوريين، بصفته الشخصية وأيضاً بحكم منصبه كمفتٍ، ولعلّ اللقب الذي اشتُهر به لدى معارضي الأمس يختزل التهم الموجَّهة إليه، فقد كان يوصف بـِ "مفتي البراميل"، كنايةً عن دعمه نهج البراميل المتفجرة التي كان الأسد يقصف بها عشوائياً المناطق الخارجة عن سيطرته.
شغل حسون منصب المفتي منذ عام 2005 حتى عام 2021، حيث أُلغي المنصب في ذلك العام وأوكلت صلاحياته إلى المجلس العلمي الفقهي التابع لوزارة الأوقاف. ولو بقي المنصب، وأُقيل حسون منه آنذاك، لما كان صعباً على الإطلاق الإتيان بغيره ليؤدي الدور ذاته على صعيد تبرير سياسات الأسد. أما على صعيد العموم فكان سيُنظر إلى البديل بوصفه بوقاً آخر للأسد من موقع المفتي الذي يُرى كمنصب حكومي لا بد لشاغله من النطق باسم السلطة التي ينتمي إليها.
يُعرف عن حسون سعيه وراء السلطة، فقد سعى أولاً ليكون عضواً في مجلس الشعب، ومن المعلوم أن لا أحد يصل إلى عضويته من دون رضا السلطة. لكنه في هذا أيضاً ليس استثناء من المشايخ، بل لعل الاستثناء الفعلي هم المشايخ الزاهدون في السلطة وفي الدنيا ومتاعها. طوال عقود نظر السوريون بسخرية إلى مشايخ السلطة، وكان معلوماً أن الأخيرة تستغلهم، وتعايش الجميع مع ذلك على أنه من طبائع الأمور بوجود سلطة تحتكر الفضاء العام كله.
في الأصل؛ أي قبل البراميل المتفجرة، رضيَ حسون بأن يكون في المنصب الديني الذي أصبح بمثابة إهانة للدين نفسه، ثم مع البراميل كبرت الإهانة إذ صار فحوى المنصب تطويع الدين ليكون مؤيداً للمجازر والإبادة. هنا جُرم، أو تهمة، خارج لائحة الاتهام التي وُجّهت إليه، فهو الشخص الذي قبِل بالمنصب غير المستقل، المنصب الذي يمثّل هيمنة السلطة على الدين، وفداحة قبوله بهذا الوضع انكشفت مع البراميل، إلا أنها أسبق من ذلك.
كان يمكن لحسون أن يتنحّى فينجو من تلك المهانة، قبل أن ينجو من الحكم الذي صدر بحقه يوم أمس. لكنه، كما نعلم، ليس سبّاقاً إلا بقدر إجرام الأسد، أما منصب "مفتي السلطان" فهو ليس بالجديد، وكتب التاريخ (ومنها الدينية) تزخر بأمثلة عن "مشايخ السلطان"، والعديد منهم في العصور الأولى للإسلام لم يتورّع عن تلفيق أحاديث نبويّة تخدم سياسات معيّنة، ومنها قتل الخصوم السياسيين، وشهيرٌ هو طلب أحد الخلفاء من الشيخ أن يأتِه بحديث يقتل به شخصاً محدداً، أي أن يكون الحديث الموضوع على قياس ذلك الشخص.
المشكلة هي في الوضعية ذاتها، في أن السلطان يتحكم في الدين ويجيّره لخدمته. ليس مهماً مَن يكون السلطان، مثلما ليس مهماً من يكون الرئيس في نظام استبدادي، لأن التعويل على مستبد عادل هو تعويل على سراب، والتعويل على مفتٍ لا ينصاع لرغبات السلطان أيضاً تعويل على ما ليس من طبيعة المنصب غير المستقل عن السلطة. الذين يصرّون على بقاء الربط بين الدين والدولة هم واقعياً يصرّون على بقاء هذه الوضعية، على بقاء وضعية السلطان والمفتي كما استقرت طوال قرون.
إن رفض استقلالية المرجعية الدينية عن الدولة لا يعني سوى استمرار هيمنة السلطات المتعاقبة على الدين، وتوظيفها إياه بما يخدم سياساتها. العكس غير وارد حسبما تُدلّل الوقائع المتراكمة عبر التاريخ، وحتى في المثال السوري الراهن يُحكى الكثير، في سياق امتداح السلطة الحالية، عن ابتعادها عن منابعها الأيديولوجية. وبعيداً عن المثال السوري، لا يُندر أن تُمتدح سلطة بالقول إنها براغماتية، بينما يُفترض أن للدين موجباته المغايرة لضرورات السياسة.
في سوريا بعد الأسد، ثمة مثال على توظيف الدين عندما استُخدمت منابر المساجد للدعوة إلى النفير العام، ثم حدث ما حدث في الساحل، وشكّلت السلطة لجنة تحقيق أقرّت بارتكاب مجازر، شارك فيها الذين لبّوا نداء النفير العام. هذا نموذج على استخدام الدين، وإهانته بالمسؤولية (ولو جزئياً) عمّا يجب ألا يكون من طبيعته، إذا أُريد الحفاظ على الجانب السمح للدين، الذي يليق بكونه أولاً علاقة إيمانية، ومن ثم بكونه إطاراً رحباً لا يجوز استخدامه للتفريق أو التمييز بين أبناء البلد الواحد.
عموماً، أدّت الانقسامات السورية مؤخّراً إلى بروز رجال الدين وتنطّعهم لأدوار سياسية. فالسلطة الحاكمة آتية من خلفية دينية، ولا تخفي منبتها مهما اقتضت البراغماتية الالتفاف عليه. وهذا ربما شجّع بروز زعامات دينية أبرزها الشيخ الهجَري في السويداء، في حين يحاول رجل دين علَوي الاقتداء بالهجري ليكون زعيماً طائفياً. أما الزعامات الدينية المسيحية فهي موجودة تقليدياً خارج الاصطفافات السياسية، إلا أن اللوحة العامة تُنذر بالمزيد من الاستثمار في الدين.
الكلام عن تحرير المرجعية الدينية من السلطة ليس ترفاً، هو واحد من الدروس التي يقدّمها نموذج "مفتي البراميل"، إذ يشير إلى المستوى الدموي الذي قد يصل إليه استغلال الدين من قبل السلطة. استقلالية المرجعية الدينية يُفترض أن ينادي بها كل غيور على الدين، وكل مَن يتوسّل له مكانة كريمة، وبالطبع ليس من يتوسّل السلطة من خلال الدين. هذا الجانب لا يُلحَظ إطلاقاً من قبل الذين يرفضون الفصل، والذين يعتقدون أن المناداة به تنطلق حصراً من معاداة الدين.
لا يصعب في بلد مثل سوريا أن تُلغى وزارة الأوقاف، وأن يُستعاض عنها بهيئة عليا مستقلة للأوقاف، تتضمن داراً للإفتاء، للمسلمين السُنة، على غرار دار الإفتاء اللبنانية. وزارة الأوقاف السورية تدير عدداً ضخماً من الأملاك الوقفية، ومن المعلوم أنها الوزارة الأغنى في سوريا، بل هي دائنة للعديد من الوزارات الأخرى التي تعاني ميزانياتها من العجز. بمعنى أن هيئة عامة للأوقاف تمتلك سلفاً الإمكانيات لتكون مستقلة مادياً، فلا تضطر للارتهان إلى أية جهة مموِّلة، ويمكن لهذه الهيئة أن تخضع لرقابة مالية مستقلة، وأيضاً لرقابة قضائية تضمن سير الانتخابات فيها.
تقدّم محاكمة أحمد حسون، المستعجلة، درساً إذا قُرئت بتمهّل يلحظ استغلال منصبه، ما دام المنصب قد بقي ضمن هيكلية السلطة. إخراج الدين من وحول السلطة مطلب له أحقية مستدامة أينما كان، ولعلها أحقية مضاعفة بالنظر إلى الوحول السورية المتراكمة.




