ليس خبراً خارجاً عن المألوف أن يقصف الطيران الإسرائيلي هدفاً ما في الأراضي السورية، فهذا ما دأبت عليه تل أبيب منذ سنوات طويلة. وغنيٌّ عن القول إنَّ القوات الإسرائيلية تتمتع بتفوق مطلق في سماء سوريا، في المقابل من قوة طيران تبيّن بعد الثورة على الأسد أنها تنفع الأخير فقط في قصف الداخل، أما الدفاعات الجوية فلم تُسقط طيارة إسرائيلية واحدة خلال السنوات الفائتة.
مع سقوط الأسد شنت تل أبيب العديد من الغارات بغرض تدمير تلك الخردة التي لا تهددها إطلاقاً، والهدف هو وضع سقف تسليحي للجيش الجديد، أدنى مما كان لسابقه. على صعيد متصل، يجوز القول إن الطيران الإسرائيلي باتت له حرية حركة أوسع من قبل، لأن الطيران الروسي لم يعد ينشط كما في السابق لقصف مواقع خصوم الأسد، وتفاهمات واشنطن وموسكو بخصوص قواعد الاشتباك انتهت عملياً مع سقوط الأسد، ثم انتهت تماماً مع انسحاب القوات الأميركية.
بصياغة أخرى للواقع، الغارات الإسرائيلية كانت متوقّفة فقط بسبب عدم وجود أهداف لقصفها؛ أي لأن القوة الجوية السورية منعدمة. وهناك خطوط حمراء إسرائيلية، بموجب تفاهمات مع السلطة الجديدة، تمنع الأخيرة من إعادة إنشاء قوة جوية دفاعية أو هجومية. ويُستشفّ من الغارات الأخيرة، ومن مناسبة سابقة شبيهة بها، وجود خطوط حمراء موضوعة أمام تحالف دمشق-أنقرة، فمطار أبو الظهور الذي قٌصف فجر الثلاثاء لا يبعد عن الحدود التركية سوى سبعين كيلومتراً، وسبقت الغارات أخبارٌ عن دخول ضباط أتراك ومعدات جديدة لتأهيله. تصريح نتنياهو عقب الغارات فيه وضوح شديد، وغطرسة متعمَّدة أشدّ، فقد أشار إلى أن رئيس مخابراته نقل تحذيراً لوزير الخارجية أسعد الشيباني من الوجود التركي في سوريا، ثم أتت الغارات لإفهام الطرفين التركي والسوري بعدم "تسامح" إسرائيل مع المسّ بمحظوراتها.
بخلاف الغارات، تكررت نشاطات القوات الإسرائيلية البرية في جنوب سوريا بوتيرة أسرع، أو ما صارت تسمّيه إسرائيل بالمنطقة الأمنية. وفي تأكيد جديد على النهج الإسرائيلي، زار رئيس الأركان قوات احتلاله داخل الأراضي السورية، وهذا التحرّك المغطّى إعلامياً يعكس بدوره الاختلال المطلق في ميزان القوى، وإلى درجة يتم التعاطي فيها مع زيارته كأنها نشاط روتيني لا غير.
أما الشيباني فأكد في أكثر من مناسبة عقب الغارات على السعي إلى إبرام تفاهمات مع تل أبيب، من دون إشارة إلى مصير التفاهم السابق الذي تعدّى الجانب الأمني إلى إقامة مشاريع اقتصادية مشتركة في الجنوب السوري، حسبما تسرّب آنذاك. المؤكَّد، وفق تصريحات الشيباني، أنَّ إسرائيل لا ترى مكسباً يدفعها إلى إبرام تفاهم راسخ مع جانب لا يقدّم لها شيئاً في المقابل، ما دامت مطلقة اليدين في سوريا. هذه الوضعية لا تستطيع تعديلها سوى قوىً خارجية في رأسها الولايات المتحدة، لكن فقط إلى حدّ يخفّف من وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، من دون إيقافها نهائياً، ومن دون وعود جازمة تعرقل حرية حركة القوات المعتدية.
وجود حكومة إسرائيلية متطرفة يكشف عن غطرسة القوة، إلا أنَّ ميزان القوى المختل هو أكثر رسوخاً من التعبير عنه. ومن مظاهر الغطرسة أن يتولى رئيس الموساد التواصل مع وزير الخارجية في الطرف المقابل، وأن يمرّ خبر اتصال الأول بالثاني كأنه خبر اعتيادي، وكأن الأمر لا يتعلق بطرف يحتلّ أراضٍ سورية منذ عام 1967، ويُنذر بالبقاء في أراضٍ أخرى توغّل فيها بعد سقوط الأسد. لا للحديث في شأن أمني، ولا في مصير تلك الأراضي، بل للتدخل فيما يُفترض أنها سياسة خارجية لبلد يتمتع بالسيادة، يتصل رئيس الموساد ليُملي طلباته وشروطه.
اختلال ميزان القوى واقعٌ بصرف النظر عمّن يحكم في دمشق، أما التعاطي معه فشأن مختلف، خصوصاً إذا لم يكن منبثقاً من مبادئ ليست تقليدياً مثار خلاف بين السوريين، وبما يأخذ في الحسبان الطبيعة المؤقتة للسلطة الحالية، حيث يُفترض أنها غير مخوَّلة باتخاذ خطوات ذات طبيعة مستدامة، أو تؤسس لوضع مستدام، بما فيها التطبيع من دون سلام. من هذه الزاوية يُستحسن أن يُنظر إلى التهاون أمام الإهانات الإسرائيلية المتكررة، من زاوية أنه يؤسس لتهاون أكبر لاحقاً، والنظر إليه (أو تسويقه) على أنه انحناء للعاصفة فيه الكثير من التذاكي الذي إذا نفع مع جمهور مستعد لقبوله فهو لا ينفع مع عدو لا يكتفي من طلب التنازلات.
ليس مطلوباً، ولا مُنتَظراً، من أية سلطة في الوضع الحالي أن تعتمد خيار المواجهة، فهذا يفوق طاقة سوريا المنهكة. أيضاً لا ينفع تسويق التنازلات على أنها مؤقتة، ويمكن استدراكها بعد قليل من الوقت حتى تتمكن السلطة أكثر. فالضعف السوري ليس من النوع الذي يشفى في وقت قصير، والضعف العسكري تحديداً مطلب إسرائيلي مدعوم برقابة مشددة، وغارات وقصف عند اللزوم أو الشبهة. المطلوب بالأحرى إدارة حالة اللاسلم واللاحرب بأقل ما يمكن من الخسائر والتنازلات، طالما بقي السلام في المنطقة غير مطروح جدياً، ومن الاستسهال والتبسيط الظنّ أن السلام ممكن بين سوريا وإسرائيل، بصرف النظر عن فلسطين ولبنان، ما لم تحصل إسرائيل على مكاسب إضافية مغرية، بلا تنازلات غير مضطرة لها.
ورغم كل ما يُشاع عن بيع حافظ الأسد الجولان لقاء كرسي السلطة، ثم استمرار المقايضة ذاتها مع الوريث، فإن سوريا لم تكن ضعيفة إلى هذا الحد، إلا عندما صار السوري بمثابة إسرائيل للسوري الآخر، كما هو الحال منذ حوالى عقد ونصف. الحكاية نفسها التي كررها الكثير من الشعبويين تؤدي إلى التسليم بأن إسرائيل قادرة على فرض إرادتها في سوريا، بدءاً من كرسي الرئاسة، لتكون الناخب الوحيد الذي يغني عن إرادات السوريين. لذا سيكون من المستحسن عدم التسليم بهذا التبسيط، بل الدفع دائماً في اتجاه ألا يكون صحيحاً بالمطلق.
إنَّ أقوى حضور لإسرائيل هو أن يكون السوري إسرائيل السوري، هذا واقع لم يتغير بعدُ. العكس صحيح، أيضاً خارج التبسيط، وليس بمعنى أن اتحاد السوريين سيجعلهم تلقائياً أقوياء. اتحادهم سيمنع أولاً بقاء البلد في وضعية الساحة، وهذا ما تنطوي عليه الغارات الإسرائيلية الموجّهة إلى تركيا عبر مواقع سورية، و"الساحة" لن تكون استثماراً مغرياً سوى لطامعين في استخدامها هكذا. قد ينفع الخارج مؤقتاً في إدارة وضعية الساحة، لكن ما يُبذل في الداخل ضد تلك الوضعية وحده الذي يبقى.




