عن نهاية "التسامح" الأوروبي

يوسف بزيالخميس 2026/08/20
تظاهرة بريطانية ضد المهاجرين (Getty)
لماذا باتت أوروبا ضدنا إلى هذا الحد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تزدهر على نحو غير مسبوق في معظم دول أوروبا الغربية المناظرات والمحاضرات التي تطرح ثلاثة عناوين: المهاجرون، الإسلام، الليبرالية. وتندرج ضمن هذه العناوين مراجعات كبيرة تبدأ بالحروب الصليبية وما بعد كولومبوس والاستعمار ولا تنتهي بإسرائيل- فلسطين وروسيا- أوكرانيا. 

مؤرخون وعلماء اجتماع ومفكرون سياسيون وكتّاب وخبراء اقتصاد وتكنولوجيا، مشغولون بحماسة استثنائية في سجالات كبرى، تتصل إلى حد بعيد في إعادة تعريف أوروبا ومستقبلها. 

من يتابع على امتداد أشهر (يمتلئ "يوتيوب" بها) الكثير من هذه المناظرات المقامة ما بين فيينا ولندن، في قاعات كبرى أو داخل جامعات أو في استديو بودكاست، يلحظ أن تياراً عريضاً وكاسحاً يجتاح القارة، أساسه إعادة النظر بقيمة أساسية: "التسامح". والمقصود هنا، التسامح إزاء الإسلام والمهاجرين وما جلبته سياسات احترام الخصوصيات الثقافية من معضلات في الاندماج والقوانين والسياسات العامة، ومن مخاطر على قيم الدولة.

 

كبار اليساريين من أمثال سلافوي جيجيك، أقر في واحدة من آخر محاضراته قائلاً "علينا أن نتحدث بصراحة عن المهاجرين بوصفهم مشكلة". وأتى كلامه في سياق الدفاع عن قيم أوروبا الديموقرطية المسيحية. أما اليمين بكل أطيافه، فيذهب بكلامه وشعاراته إلى حد "اطردوهم الآن".

قبل عشر سنوات كان المواطنون الأوروبيون على الحدود الألمانية وعلى شواطئ إيطاليا وفرنسا وبريطانيا يحملون يافطات أمام أفواج المهاجرين "أهلاً بكم". أما اليوم، فالرأي العام الأوروبي يحبذ ليس فقط بناء الأسوار بل وأن تغرق قوارب المهاجرين قبل وصولها إلى الشاطئ. ما حدث في سبتة الإسبانية قبل أسابيع (والحكومة الإسبانية يسارية)، كان مثالاً على انقلاب كامل في الوعي الأوروبي تجاه المهاجرين.

 

في داخل أوروبا، يبدو نموذج اقتراحات الحكومة الإيطالية لقوانين الدفاع عن قيم الجمهورية، قابلاً للتعميم في الدول الأخرى. بريطانيا وفرنسا وألمانيا تعيش مقدمات حرب أهلية باردة بين "المواطنين الأصليين" والمهاجرين، تشكل رافعة بالغة القوة لليمين المتشدد. 

في هذا السياق، يمكن القول أن إعادة النظر في قراءة التاريخ جارية في الاتجاه نفسه. لا تتلاشى مشاعر الذنب من الماضي الاستعماري وحسب، إنما تتقدم قراءة "إيجابية" عن أهمية الاستعمار بوصفه قفزة كبرى للحضارة والتقدم. وتصاحب هذه الخلاصة، مراجعة أخرى لتاريخ العبودية بوصفها وليدة حضارات أخرى غير غربية، وأن الغرب نفسه صاحب إنجاز إلغائها. 

بالأهمية نفسها، هناك دعوات متصاعدة للعودة إلى المسيحية وإلى "الأخلاق المسيحية"، ليس فقط إيماناً، بل كهوية سياسية وثقافية. ومعظم هذه الدعوات التي يطلقها مفكرون علمانيون، لا تحاول التشبه بالنموذج الأميركي، لكنها تطالب بدور للكنيسة أكثر انخراطاً في تربية المجتمع ودعمه.

 

الروائية والصحافية الأميركية ليونيل شريفر، بات نجمة في بلادها وأوروبا، بسبب أطروحاتها المعادية علناً للإسلام وللمهاجرين بكل أنواعهم، وبسبب أنها تكتب وفق مقولة أساسية: هناك روايات لا تحصى عن معاناة المهاجرين، لكن لا أحد يكتب عن معاناة الذين استقبلوهم. وهي قررت ذلك. استضافها أكثر من مرة كونستانتين كيسن، أشهر ناشط سياسي بريطاني حالياً، ولديه بودكاست من الأوسع انتشاراً في بريطانيا (مليونا مشاهدة تقريباً للحلقة الواحدة)، من أجل نشر دعوتها: استقبال المهاجرين هو انتحار ثقافي وحضاري.

المؤرخ البريطاني الأكثر نجومية توم هولاند، يكرس محاضراته في مدن أوروبا، وبعضها في دور الأوبرا والمسارح الكبرى، لإعادة الاعتبار للروح المسيحية- اليهودية، بوصفها التراث الذي تدمره الحكومات الأوروبية التي تتبنى التنوع الثقافي.

وإذا كان اليسار الأميركي  يشهد لمعاناً ونجاحات انتخابية محلية (الذي تحيي بعضاً منه الجاليات المهاجرة المسلمة)، فإن مثيله الأوروبي في حال يرثى لها، ولا يجد سبيلاً للبقاء إلا بتبني أطروحات اليمين، إن في مسألة المهاجرين أو في مسائل "ما بعد الاستعمار" وقوانين العمل والضرائب..إلخ.

 

في المقابل، لا نجد في ربوعنا أو داخل مجتمعات المهاجرين من يسأل: لماذا باتت أوروبا ضدنا إلى هذا الحد؟ لماذا انتهت حقبة التسامح؟ لماذا لا يرغب بنا أحد؟  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث