انتهت زمنياً أمس الاثنين هدنة الستين يوماً بين أميركا وإيران، التي كان من المفترض أن يتوصل الطرفان خلالها إلى صيغة توافق تنهي الحرب. لكن الحرب لم تنته، ولا يخفي الطرفان عدم الرغبة في تجديد فصولها النشطة، ويبقى التصعيد في الخطاب سيد الموقف. وبين عدم الرغبة في استئناف الحرب والتصعيد في التهديدات وتبادل الضربات حتى بضعة أيام سابقة، ليس واضحاً إلى أين يتجه الصراع، ومن يمسك بزمام المبادرة.
منذ أيام أعلنت مصادر باكستانية أن الطرفين وافقا مبدئياً على تمديدها، لكنهما لم يتفقا على مدة التمديد.لكن الطرفين يختلفان حول طبيعة الهدنة نفسها، إذ يقول وزير الخارجية الإيراني بأن مذكرة إسلام آباد كانت تهدف إلى "إنهاء الحرب" وليس مجرد وقف إطلاق النار، وأن طهران لا ترى أن هناك "هدنة لمدة 60 يوماً" ينبغي تمديدها، بسبب ما تعتبره انتهاكات أميركية للاتفاق. وفي 12 أب/ أغسطس، نقلت رويترز عن مسؤول إيراني كبير أن طهران لا تجري مفاوضات بشأن تمديد وقف إطلاق النار، وأن على واشنطن العودة إلى الالتزامات التي نص عليها الاتفاق المؤقت. فالهدنة التي انتهت زمنياً أمس الإثنين، يبدو أن الطرفين لا يتفقان سياسياً وقانونياً أن ما انتهى هو "هدنة" قابلة للتمديد.
لكن ما أشيع في 17 الجاري عن تمديد الهدنة لستين يوماً إضافياً، يجعل من الصعب توقع ما سيجري في ظل التصريحات المتشددة من قبل الطرفين التي سبقت هذا التاريخ. وما جرى خلال الهدنة المنتهية مدتها لا يشجع على وضع أي توقع، ويترك الباب مشرعاً للمجهول للتنبؤ بما سيحدث خلال الهدنة الجديدة إذا تأكدت.
من الجانب الأميركي شهدت الهدنة السابقة القصف الأميركي لمدة 13 يوماً للمواقع الإيرانية، وأعقبتها تصريحات وزير الخزانة الأميركية عن العزل الاقتصادي الذي "لم يشهده التاريخ" وتشديد حصار الموانئ الإيرانية. ومن الجانب الإيراني شهدت التمسك بالسيطرة على مضيق هرمز، وتفعيل أذرعها في اليمن والعراق والسعي لإغلاق مضيق باب المندب أيضاً وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
من المفترض أن يعني التمديد المحتمل للهدنة، أن الطرفين لا يريدان فعلاً العودة إلى المرحلة النشطة من الحرب، بل يواصلان التنقل بين طاولة المفاوضات، المباشرة وغير المباشرة، وتبادل عمليات القصف والتهديدات المتشددة. لكن ما سبق التمديد مباشرة من قبل الطرفين يجعل من الصعب الجزم بذلك، بل يشي بأن مرحلة جديدة قد بدأت في الصراع الأميركي الإيراني، ستشهد المزيد من توسع رقعة الحرب باتجاه دول المنطقة. فما أعلنه ترامب في 17 الجاري -حسب موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله اللمانية DW- عن تقليص المناورات المشتركة مع كوريا الجنوبية بحجة عدم استفزاز "صديقه" ديكتاتور كوريا الشمالية، قد لا يجد تفسيره إلا بالتفرغ للصراع مع إيران على جميع الجبهات، بما فيها العسكرية.
ولا يقول عكس ذلك ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال في 17 الجاري أيضاً، ونقله موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty، عن وجود خطة إيرانية سرية للتصعيد في الصراع، بما فيه عمليات برية في دول خليجية صغيرة مثل الكويت.
وفق معلومات الصحيفة الأميركية، فقد اعتبر القادة الإيرانيون الاتفاق مجرد محاولة من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل لتخفيف الضغوط على الاقتصاد العالمي، وكسب الوقت لشن هجوم أوسع نطاقاً على إيران. وبدلاً من التعويل على المفاوضات، كرّس "الصقور" في النظام الإيراني الشهرين الماضيين للاستعداد لتصعيد أكبر. وسرعان ما استولى ممثلو "التيار المتشدد" على زمام المبادرة، وهاجموا سفنًا تجارية بهدف تعزيز سيطرة إيران على مضيق هرمز، ووسّعوا ساحة المعركة إلى البحر الأحمر، الذي كانت السعودية تستخدمه لتجاوز السيطرة الإيرانية على الخليج.
رأت الصحيفة أن الهدف الرئيسي للإيرانيين هو إلحاق "قدر كافٍ من الألم" لضمان عدم تكرار هجمات واسعة النطاق، كتلك التي وقعت خلال حرب الأيام الـ 12 عام 2025 أو خلال جولة القتال التي اندلعت في شباط/ فبراير المنصرم. ونقلت عن محلل عسكري إيراني مقرب من السلطات إشارته إلى أنه يسود في إيران اعتقاد واسع النطاق بأن "الحرب الرئيسية لم تبدأ بعد". وأضاف بالقول إن ما رأيناه حتى الآن يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه تكتيك وتصعيد محدود وتدريجي، يهدف إلى إضعاف قدرات الخصم قبل خوض "المواجهة الأكبر".
نقلت الصحيفة أيضاً عن الدبلوماسي الأميركي السابق الذي شارك في المفاوضات النووية مع إيران Alan Eyre قوله إن الحرب بالنسبة للنظام الإيراني هي نقطة الإنطلاق، وستكون إيران مستعدة لهجوم جديد.
موقع الطبعة الإسرائيلية من صحيفة news.ru الروسية يختلف عن مواقع الإعلام الإسرائيلية الأخرى في مناقشته للوضع بعد انتهاء هدنة الستين يوماً. فهو لا يرى أن الوضع يتطور باتجاه المزيد من التصعيد، كما رأى معظم المواقع الإسرائيلية الأخرى وكذلك صحيفة وول ستريت جورنال. فقد عنون نصه في 17 الجاري بالقول "انتهت "الـ60 يوماً الممنوحة لإيران": لا مؤشرات على أعمال قتالية واسعة وشيكة".
استهل الموقع نصه بالقول إنه في يوم الاثنين، 17 آب/ أغسطس، تنتهي مدة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة إسلام آباد، وهي الفترة التي كان يتعين خلالها على الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق دائم بشأن إنهاء الحرب، والبرنامج النووي الإيراني، وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز. لكن حتى اليوم، لا يوجد اتفاق دائم، وقد توقفت المفاوضات المباشرة عملياً، فيما انخفضت حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز إلى أدنى مستوى لها. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات على استعداد الولايات المتحدة لاستئناف ضربات واسعة النطاق ضد إيران على الفور. لكن حتى 17 الجاري، لم تقترب الأطراف من التوصل إلى اتفاق دائم فحسب، بل إنها تختلف أيضاً حول ما إذا كانت مذكرة التفاهم نفسها قد جرى تنفيذها. وكان وزير الخارجية الإيراني قد صرح بأن المفاوضات مع الولايات المتحدة لا تجري حالياً، ولن تُستأنف إلا بعد أن تفي واشنطن بالتزاماتها التي تعهدت بها.
ويقول الموقع إن إيران تتهم الولايات المتحدة بمواصلة الحصار وتأخير الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. في المقابل، تتهم واشنطن إيران بعدم الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز. وفي الأيام الأخيرة، جددت طهران تأكيدها بأن إعادة فتح المضيق بشكل كامل مستحيلة من دون تنفيذ الولايات المتحدة الشروط التي سبق أن أعلنتها. وتردّ واشنطن بالتهديد بتشديد الضغوط الاقتصادية، وتواصل الحصار البحري على الموانئ الإيرانية. ويقول وزير الدفاع الأميركي بأن الأسطول الأميركي قادر على مواصلة الحصار "لفترة غير محدودة"، مع استبدال السفن وأطقمها حسب الحاجة.
اللافت أن الموقع لم يأت على ذكر ما تم تداوله مساء 17 الجاري عن اتفاق الأميركيين والإيرانيين على تمديد الهدنة المنتهية إلى 60 يوماً أخرى، والذي لم يكن قد جرى تأكيده رسمياً من أي من الطرفين حتى ذلك المساء، حين نشر الموقع نصه. على أنه أشار لاحقاً إلى أن الأنباء التي ظهرت منذ عدة أيام عن اتفاق الطرفين على تمديد الهدنة لم يؤكدها أي منهما. وأشارت رويترز إلى تصريح لمسؤول إيراني رفيع المستوى عن أنه لم تجر اصلاً مفاوضات لتمديد الهدنة.




