تقوم العدالة الانتقالية، في جوهرها، على مجموعة من المبادئ والقواعد التي راكمتها تجارب الشعوب الخارجة من الحروب الأهلية والأنظمة الاستبدادية. وهي ليست مجرد محاكمات وعقوبات، بل منظومة متكاملة تهدف إلى كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومساءلة الجناة، وحفظ الذاكرة الجماعية، وتهيئة شروط المصالحة الوطنية وعدم تكرار الجرائم. ولذلك فإن نجاحها لا يُقاس بعدد الأحكام الصادرة، بل بقدرتها على إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وإقناع الضحايا بأن العدالة قد أُنجزت بالفعل.
في الحالة السورية، تبدو الصورة مختلفة إلى حد بعيد. فثمة لجنة متخصصة أُعلن عن تشكيلها لمعالجة ملف العدالة الانتقالية، لكن السوريين لا يعرفون حتى الآن طبيعة عملها الفعلية، ولا حدود صلاحياتها، ولا موقعها من المحاكمات الجارية. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون هذه اللجنة مرجعية أساسية في رسم السياسات القضائية المتعلقة بجرائم العقود الماضية، تبدو الأحكام وكأنها تصدر بمعزل عن أي دور واضح لها. فالمحاكمات تُعقد، والقرارات تُعلن، والأحكام تصدر حضورياً وغيابياً، بينما يغيب النقاش الجدي حول الأسس التي تستند إليها هذه الإجراءات ومدى انسجامها مع فلسفة العدالة الانتقالية وأهدافها.
هذا التناقض يثير أسئلة مشروعة حول ما إذا كانت البلاد تسير فعلاً نحو عدالة انتقالية متكاملة، أم أنها تكتفي بمحاكمات ذات طابع سياسي ورمزي. فالمحاكمات الكبرى لا تُقاس فقط بوقعها الإعلامي أو بقدرتها على إرضاء الرأي العام، بل أيضاً بقدرتها على تحقيق نتائج قانونية وسياسية مستدامة.
ومن أكثر الأمثلة إثارة للجدل مسألة الحكم على بشار الأسد. فبينما يطالب كثيرون بعقوبة الإعدام باعتبارها العقوبة المناسبة لحجم الجرائم المرتكبة خلال سنوات الحرب، يرى عدد من المتخصصين أن مثل هذا الحكم قد يؤدي عملياً إلى نتيجة معاكسة لما يريده المطالبون به. فروسيا، التي تؤويه وترفض تسليمه، قد تجد في حكم الإعدام ذريعة قانونية وأخلاقية إضافية لرفض أي طلب مستقبلي لتسليمه. وحينها قد تتبنى موسكو خطاباً شبيهاً بخطاب الدول الغربية التي ترفض تسليم المطلوبين إلى بلدان يمكن أن يواجهوا فيها عقوبة الإعدام، فتعلن أنها لا تستطيع تسليمه ما دام مصيره المحتمل هو الإعدام.
وبهذا المعنى، يتحول الحكم إلى أداة سياسية أكثر منه خطوة عملية نحو تحقيق العدالة. فهو يكرس واقع عدم التسليم بدلاً من تجاوزه، ويمنح الأطراف الرافضة للتعاون مبررات إضافية للدفاع عن موقفها. كما أنه يحقق مكسباً شعبوياً سريعاً عبر إرضاء مشاعر الغضب العامة، من دون أن يضمن تحقيق الغاية الأساسية المتمثلة في مثول المتهم أمام القضاء، ومواجهته بالأدلة، والشهادات والضحايا.
والواقع أن جزءاً كبيراً من الرأي العام لا يحتاج إلى رؤية هذه المواجهة القضائية المعقدة لكي يقتنع بمسؤولية الأسد عن الجرائم المرتكبة. غير أن العدالة ليست عملية إقناع جماهيري، بل مسار قانوني يهدف إلى تثبيت الوقائع وتوثيقها وإخضاعها للاختبار القضائي. فالمحاكمة العادلة ليست حقاً للمتهم فقط، بل هي أيضاً حق للضحايا وللتاريخ وللأجيال المقبلة التي يجب أن تعرف كيف وقعت الجرائم وكيف جرى إثباتها ومحاسبة مرتكبيها.
ومن زاوية أخرى، يبرز الحكم الصادر بحق عاطف نجيب باعتباره نموذجاً لإشكالية أوسع. فالرجل، رغم رمزيته المرتبطة بالبدايات الأولى للاحتجاجات السورية، يبقى في النهاية جزءاً صغيراً من منظومة قمعية هائلة. إن محاكمة شخص واحد من هذا المستوى تشبه الحكم على برغي داخل ماكينة معقدة، فيما تبقى أجزاء الآلة الأخرى خارج دائرة المساءلة. وقد يمنح ذلك انطباعاً بحدوث عدالة ما، لكنه لا يعالج الأسئلة الكبرى المتعلقة بسلسلة القيادة، وآليات اتخاذ القرار، والشبكات الأمنية والعسكرية والسياسية التي شاركت في إنتاج العنف على نطاق واسع.
فالضحايا لا يبحثون فقط عن إدانة أفراد بعينهم، بل عن فهم كامل لكيفية عمل المنظومة التي انتهكت حقوقهم. وهم يريدون اعترافاً رسمياً بمعاناتهم، وتعويضاً معنوياً ومادياً، وضمانات تحول دون تكرار المأساة. أما الاقتصار على بعض الأحكام الرمزية، مهما كانت قاسية، فلن يكون كافياً لإعادة الحقوق المعنوية إلى أصحابها.
وفي هذا السياق، يبرز نقاش آخر يتعلق بطبيعة العقوبة نفسها. فبينما يُنظر إلى الإعدام غالباً باعتباره أقصى درجات العقاب، فإن السجن المؤبد قد يكون في بعض الحالات، أكثر قسوة وأشد وقعاً. فالإعدام ينهي حياة المدان ويطوي صفحته بسرعة، وقد يحوله لدى بعض أنصاره إلى رمز أو أسطورة أو ضحية. أما السجن الطويل الأمد فيُبقي الجريمة حاضرة في الوعي العام، ويجعل صاحبها يعيش يومياً تحت وطأة الإدانة.
إن بقاء المجرم خلف القضبان لعقود، يذكّر المجتمع باستمرار بأنه قاتل أو معذب أو مغتصب أو منتهك للحقوق. وتتحول العقوبة إلى عملية تذكير دائمة بالمسؤولية الفردية عن الجرائم المرتكبة. وفي المقابل، قد يساهم الإعدام، بعد فترة قصيرة من تنفيذه، في طي الملف عاطفياً ونفسياً، بحيث يبدأ النسيان تدريجياً ويغيب المجرم عن المشهد العام.
لذلك تبدو الحاجة ملحة في سوريا إلى إعادة النقاش من مستوى الانفعال السياسي إلى مستوى التفكير القانوني والمؤسساتي. فالعدالة الانتقالية لا تُبنى بالأحكام الصاخبة وحدها، ولا بالشعارات الانتقامية، بل بمسار متكامل يوازن بين حق الضحايا في الإنصاف وحق المجتمع في معرفة الحقيقة ومصلحة الدولة في بناء مستقبل مستقر. وعندها فقط يمكن أن تتحول المحاكمات من أدوات للرمزية السياسية إلى أدوات حقيقية لتحقيق العدالة.




