كما بات معلوماً، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، يوم الثلاثاء الفائت، الحكمَ حضورياً بالإعدام على عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا سابقاً وابن خالة بشار الأسد. القرار تضمّن أيضاً الحكم غيابياً على بشار الأسد وشقيقه ماهر بالإعدام، مع إصدار مذكرة ملاحقة دولية بحقهما، وقد نُظر إلى هذا الشق من قرار المحكمة على أنه لفتة معنوية أكثر منها واقعية، إذ لا يُتوقَّع أن تبادر موسكو التي تستضيف الأسد إلى تسليمه، بل إن الأوساط الروسية تؤكد أن أمر تسليمه لم يُطرح بينها وبين دمشق.
ربما يقلق بشار على مصيره، إنما خارج فرضية محاكمته حضورياً في دمشق. وربما تلقّى نبأ الحكم عليه بابتسامة من ابتساماته المعهودة الخاصة بالشماتة، فهذا الحكم غير قابل للتنفيذ، وقد يبقى طويلاً على قيد الحياة بوصفه أمثولة لسفّاح نجا رغم كل جرائمه. ومصدر الارتياح الآخر أن المحاكمة نفسها كانت جنائية إلى حد كبير، فلم يُحاكَم عهده على النحو الذي يستحق، وهذا "لو حدث" في الحالة السورية سيكون حكم الإعدام الحقيقي والحضوري، وإن كانت العدالة عاجزة عن وضعه في القفص.
لعاطف نجيب وضع مغاير تماماً لابن خالته "الرئيس الهارب"، فهو وفق المعلَن لم يغادر سوريا، وقُبض عليه من دون أن يكون متخفّياً على نحو مشدد يليق بما يُنسب إليه من تهم. لا يُعلم على نحو مؤكد ما إذا كان قد حاول إيجاد سبيل للهرب، فلم يجد، أو أنه استكان لمصيره، أو كان مقتنعاً حتى بأقواله أمام المحكمة لجهة عدم مسؤوليته عن بعض الجرائم التي تُنسب إليه، ولجهة كونه في جرائم أخرى مجرد موظف مأمور. والاحتمال الأخير كانت حنّه أرندت قد اختزلته بتعبير "تفاهة الشرّ"، وتطرقت من ضمنه إلى أولئك الموظّفين في "بيروقراطية" القتل الذين ليس لديهم مشاعر إزاء ما ارتكبوه أثناء خدمة تلك الآلة الرهيبة.
من المفارقات الخاصة بنجيب أن تُنسب إليه قصة شهيرة متعلقة بأولاد درعا، وهو غير مسؤول عنها تحديداً بخلاف جرائم أخرى لا بد أن يكون قد ارتكبها أثناء عمله في المخابرات. ربما المصادفة هي وحدها ما جعلت غيره يرتكب تلك الجريمة، لا هو، إلا أن نَسْبها إليه بدا منطقياً وقابلاً للتصديق، حتى أنه لم يعد قابلاً للتكذيب بعد أقواله في المحكمة حول تلك الحادثة، والتأكيد عليه من شيخ معارض كانت له صلة بالقضية. مَن يذكر الآن اسم الضابط الآخر، رئيس فرع مخابرات آخر في درعا، المسؤولَ مباشرة عن الحادثة التي كانت من الشرارات الكبرى التي أشعلت الثورة؟
واحد من أسباب شهرة عاطف نجيب أنه ابن خالة بشار الأسد، وهذا أيضاً سبب في شهرة الجريمة المنسوبة إليه والنظر إليها كأنها صادرة عن أعلى مستويات السلطة آنذاك. لكن، كما هو معلوم أيضاً، لم يكن منصب نجيب ذا شأن عظيم ضمن بيروقراطية القتل الأسدية، فرئاسة فرع للمخابرات في مدينة صغيرة مثل درعا لا تشير إطلاقاً إلى ابن خالة مدلّل بحيث يُسند إليه منصب مهم.
ربما لم تكن الصلة بينهما وطيدة، أو لم يلتقِ بشار بعاطف أبداً، فلم تكن قرابة الدم بينهما لازمة وضرورية لقرابة دم من نوع مختلف ومجرم. التركيز على القرابة البيولوجية كان له دور إعلامي فيما مضى، ثم استُؤنف الدور ذاته بعد القبض عليه. في حين من الأجدى الانتباه إلى قرابة الدم الأخرى، وهي الأوسع لأنها تضم الآلاف من أمثال نجيب، والذين لا تربطهم القرابة بآل الأسد. ليست الغاية هنا القول إن آل الأسد وأنسباؤهم، كأية عائلة أخرى، ليسوا مجرمين بالكامل ولا أبرياء بالكامل، بل تجريد نجيب من الهالة التي تم تلبيسها له إعلامياً.
في المقابل من تلك الهالة ثمة "مكانة" مستحقة لأمثال نجيب، هي مكانة الموظف المتوسط في بيروقراطية القمع والقتل. لا يصل إلى منصب رئيس فرع في محافظة شخصٌ لم يُختَبر استعداده ليكون ذلك الموظف الشرس، من دون أن يُطلب منه ذلك كل مرة. فهو ليس "العبد المأمور"، ليس ذلك العنصر الذي "ربما" ساقته الظروف ليؤدي خدمته الإلزامية في واحد مما كان يُعَدُّ ليكون مسلخاً بشرياً في تلك الحقبة.
أمثال نجيب، باختلاف تسمياتهم الوظيفية، هم بالآلاف لا العشرات أو المئات، وثمة أضعاف لهذا العدد ممن كانوا طامحين لشغل تلك الوظائف القذرة، ومستعدين للتفوق فيها على أسلافهم فيما لو أتيحت لهم الفرص. تتجه الأبصار عادة إلى الحلقة العليا من السلطة، بينما لا تنال الانتباه نفسه الحلقاتُ الوسطى منها، وهي بطبيعة الحال تتولى الشطر الأعظم من الجانب التنفيذي لسياساتها التي يضع الكبار خطوطها العريضة. ومن طبيعة الحلقات الوسطى أنها أكثر ديناميكية، لأنها أكثر عُرضة لتغيير شاغليها، ما يجعلها تالياً محطّ أنظار الطامعين بها، أو الطامعين بالمرور بها والترقّي إلى ما هو أعلى.
في الأوقات الاعتيادية يكون لمتوسّطي المكانة شأن في مجتمعاتهم الصغيرة، ولدى المحكومين المباشرين. مثلاً كان لنجيب هامش واسع من التسلّط في محافظة درعا، وتقاسمَ التسلط المحلّي مع رؤساء أفرع أخرى من المخابرات، أو مع ضباط كبار وشخصيات ذات وزن يُصادف أنها تنتمي للمكان نفسه. في تلك الأوقات، حتى الاشتغال في آلة البطش والقمع لم يكن يُنظر إليه على نحو سلبي، كما سيحدث بعد الثورة ومواجهتها بوحشية. بالطبع لم يكن سقوط النظام في البال، بل كان بقاؤه يبدو من الطبائع، وكذلك الطمع بالانتساب إليه، والتقرُّب من حلقاته العليا.
هذه الحلقات الوسطى في بنية السلطة ليست مجرد وظائف ضمن تراتبية هرمية، إنها هي أكثر مكان يُصنع فيه الاستبداد بأوسع معانيه وأعمقها. وفي العديد من التجارب في العالم كانت محاكمة هذه الحلقات أكثر أهمية من محاكمة القادة الكبار، لأنها محاكمة تمسّ البنية الأوسع والأعمق، ولأنها متاحة أكثر من محاكمة الكبار الذين ينتحرون أو يُقتلون، أو تتاح لهم فرص الهرب والنجاة.
وبينما يقدّم هرب بشار الأسد ونجاته أمثولة على الإفلات من العقاب، كما حدث للعديد من الطغاة ومنهم والده في فراشه، فإن القبض على نجيب يقدّم أمثولة مختلفة تماماً. لم يفلت نجيب من العقاب، والأمر لا يتعلق بالعدالة التي نتمناها؛ ما يهمنا هنا أن عاطف نجيب وكثر من أمثاله لم يتح لهم مصير بشار، وذلك لم يكن مصادفة، ولا سوء تدبير منهم. ربما يمكن إجمال هرب الأول والحكم على الثاني بأن: الكبار يهربون والصغار يُعدَمون. هو درس مستدام للصغار، المساهمين بفعالية شديدة في إنتاج الاستبداد وفي بنيته الهرمية، درسٌ هو أفضل ما يمكن أن تقدّمه محاكمة عاطف نجيب ضمن الظروف الحالية.




